إن الشعب السعودي شعب قديم العهد بالإرث القبلي، الذي لا يزال كامناً في تكوين الشخصية ذاتها، فهو حديث العهد بالحداثة، وما طرأ على المجتمعات الأخرى من تحولات لا تزال هجينا غضا لم ينضج بعد..

لم تكن قصيدة سمو الأمير خالد الفيصل التي يمتدح فيها الشعب السعودي بالمفاجأة بالنسبة لي، ولم أكن مندهشة كما اندهش العالم من التفاف الشعب – صاحب الرأي العام والأهم والأقوى من وسائل الإعلام - حول ملكه وحكومته؛ وذلك لأمور عدة:

أولاً: ذلك الوعي التام للمجتمع السعودي، ورصده لما يجري من تزييف الوعي، وعلمه التام بما يحاك له ولوطنه، وهذا مهم للغاية، فالوعي المجتمعي كان جاهزا نتاج تلك الثقافة والنهضة المعرفية، التي رصدناها منذ سنوات، في تطور كبير وملحوظ، خاصة لدى الشباب منهم.

وثانياً: إن الشعب السعودي شعب قديم العهد بالإرث القبلي، الذي لا يزال كامناً في تكوين الشخصية ذاتها، فهو حديث العهد بالحداثة، وما طرأ على المجتمعات الأخرى من تحولات لا تزال هجينا غضا لم ينضج بعد.

فالإرث القبلي متجذر ولا يزال متوقدا في صلب الشخصية ذاتها، ومن أهم مكونات هذا الإرث هو الذود عن الحمى. فلم تكن هذه الطبيعة لديهم مهملة لكل عابر سبيل، بل تحكمها تلك الأعراف والتقاليد وسلطة غير مبرمة تتوارثها الأجيال، بوجدان وعقيدة قلَّما توافرت في ربوع أخرى في العالم أجمع. يقول البريطاني ويثسغنر: «إن الرجال نظروا للصحراء على أنها أرض جرداء قاحلة، أو تحمل بحرية كل ما تختاره، ولكن الحقيقة أن كل تلة وكل وادٍ فيها له أو لها رجل يعتبر مختصا ومطَّلعا عليها، ويمكنه أن يؤكد بسرعة حق عشيرته وقبيلته فيها ضد أي اعتداء أو عدوان. حتى الآبار أو الأشجار يوجد لها أسيادها، الذين يسمحون للناس بأن يوقدوا من أشجارها ويشربوا من آبارها بحرية، طالما تطلبت حاجتهم ذلك، ولكنهم في الوقت نفسه-هؤلاء الأسياد- يدققون بشكل مستمر في كل من يحاول ملكيتها لحسابه، أو أن يستغلها، أو أن يحوِّل إنتاجها إلى مصلحته، أو لمنفعته الخاصة من بين الآخرين؛ إذ إن الطبيعة والعناصر الموجودة فيها هي للاستخدام الحر لكل شخص صديق معروف من أجل استخدامها في أغراضه الخاصة وليس أكثر، والنتائج المنطقية هي في تقليص هذه الرخصة ليقتصر امتيازها على رجال الصحراء، وقسوتهم وصلابتهم بالنسبة للغرباء غير المزودين بالتعريف أو الضمان؛ حيث الأمن المشترك يكمن في المسؤولية المشتركة».

وقد فسر الباحثون هذا الذود على أنه نوع من العصبية، فانتشر هذا المفهوم المغلوط! ربما لا يفرقون بين الذود عن الحمى ونبذ الآخر وكراهيته، فالذود عن الحمى في تكوين الشخصية، وهي خاصية الدفاع عن المكان وحمايته؛ لأن الانتماء متجذر فيهم، الانتماء للنسب ثم الانتماء للمكان، الذي قد يحوي بعض المستجيرين والوافدين- فأصبح هذا الانتماء بمرور الوقت من لحمة المكان والقبيلة ثم من لُحمة الدولة بأجمعها وبكل أركانها؛ كما يقول سعد العبدالله الصويان في كتابه (الصحراء العربية): «إن التفرعات القبلية ليست تقسيمات عائلية جينولوجية، وإنما هي تقسيمات تحدد العلاقات السياسية والقانونية والتعاونية بين مختلف مكونات القبيلة، والعلاقات القبلية المفترضة ما هي إلا غطاء إيديولوجي يبرر ويعزز هذا الشكل التنظيمي، الذي يندمج من ناحية الوظيفة إلى هيكل التشكيلات والكتائب العسكرية».

ولذلك لن يستطيع أحد - كائنا من كان - اختراق هذه الشخصية؛ لارتباطها بمفهوم الحميّة كونه شرفا، وللشرف مداه في هذا التكوين الذي لم تخمد ناره بعد!

فلقد أصبحت (الحَميّة) على الأرض، التي يعتبرها الفرد شرفه وعرضه، والذود عن الحِمَى - هي صلة رحم بالنسبة له، كنوع من الشرف. وبناء على ذلك، لم يكن تعصباً، فالتعصب هو التحوصل داخل خلية تنبذ الغرباء أو التعصب لدين أو نسب، وهذا غير وارد كما ذكره كثير من أولئك الرحالة والمستشرقين؛ لما وجدوه منهم من حب وترحاب، رغم أنهم يعتنقون ديناً مغايراً لدينهم. ولذلك فهناك فرقٌ دقيقٌ بين قوة الانتماء للوطن الذي ذابت فيه الشخصية، ونبذ كل غير ذي صلة بأفكارهم ومعتقداتهم وجنسهم. فهم لم يكونوا عدوانيين أو متعصبين ضد أي غريب، كما أنهم قومٌ يركنون إلى المؤانسة والجماعة.

ومن هنا ندرك الفرق بين الدفاع والذود عن الحمى، وبين الكراهية ونبذ الآخر، الذي لا يحمل سماتهم الفكرية والعقائدية، وهذا الفرق الدقيق يكمن في عمق التفريق بين العُصبة والعصبيَّة في شخصية ابن الصحراء. وهذا هو ديدن الشخصية التي أبهرت العالم؛ لأنه لا يعرف كنهها!

ثالثا: إن الشعب السعودي يرتبط بعلاقة حب وأبوة مع حكامه، فهو يرى فيهم مكانة الأب المسؤول الحنون والسند والقوة والفخر؛ فابن القبيلة دائما تربطه علاقة أبوية مع شيوخه وحكامه.

ولذلك فإن كل من أراد اختراق المجتمع السعودي لا يجد مكانا بينهم ولا ثغرة مخجلة؛ وذلك لأنه لا يعلم إلا القليل من عادات وتقاليد البدوي، التي هي سَمق كبير في بناء الشخصية، التي لم يغلبها ران العمالة والمؤامرات والتسابق على جني المحاصيل والاستقواء بالخارج، وغير ذلك كثير مما قرأناه بشكل مخجل في كتاب «أسرى المال السياسي» لكاتبه عبدالقادر شهيب، الذي صدر أخيراً لما جرى في بلادنا العربية. لقد فجروا بلادهم من الداخل بأيدٍ خسيسة لا تقاوم سلطة المال، ولا يعرفون معنى العيب والشرف الذي هو ديدن العربي الأصيل!

إنه لا يمكن سقوط دولة من الدول إلا إذا فرغت من محتواها ومن قوة شعبها، فالكلمة الأولى للشعب والذود ديدنه، كما يقول أحد الفلاسفة العظام: «إن القلعة لا تسقط لكثرة المحاصِرين لها، ولكنها تسقط حينما يتساءل حماتها عن جدوى حمايتها».

إنها محاولة اختراق رخيصة وفاشلة، تصدى لها الشعب السعودي العظيم فأبهر العالم.