تعد العلاقة الجدلية بين الثقافة والفن محط عدم اتفاق بين الكثير من المشتغلين بكلا الحقلين، ويمكن أن نقسم عدم الاتفاق هذا إلى ثلاثة أوجه: هناك من يرى أن الثقافة والفن هما نفس الشيء وأن الاختلاف فقط هنا في المسميات وليس في الجوهر، وهناك فريق آخر يرى أن هناك اختلافاً كبيراً بين المفهومين، وأن لا ارتباط بينهما، أما الرأي الثالث فيرى أصحابه أن هناك علاقة وإن اختلفوا في كنه هذه العلاقة وطبيعتها، ومن أجل فك هذا الاشتباك الثقافي لا بد لنا من تعريف الثقافة وتعريف الفن، ولعل أقدم تعريفات الثقافة وأكثرها شيوعاً هو تعريف عالم الأنثروبولوجيا البريطاني إدوارد تايلور(1832 - 1917)، الذي طرحه في كتابة الثقافة البدائية (Primitive Culture) حيث يرى الثقافة أنها: «ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والأعراف والقدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً في المجتمع». ويقترب هذا التعريف من تعريف عالم الاجتماع روبرت بيرستيد الذي يراها: «ذلك الكلّ المركّب الذي يتألف من كلّ ما نفكّر فيه، أو نقوم بعمله أو نمتلكه، كأعضاء في مجتمع». وبذلك تتكون ثقافة المجتمع، كما يرى جيمس سبرادلي، «من كل ما يجب على الفرد أن يعرفه في مجتمعه أو يعتقده، بحيث يعمل بطريقة يقبلها هذا المجتمع»، وبذلك تكون الثقافة عبارة عن ذلك المحيط أو البيئة التي يعيش فيها الإنسان بصفته عضواً في مجتمع ما. ولهذه البيئة بُعد أكبر يتمثل فيما يتشارك فيه الإنسان مع جميع البشر بصفته عضواً في عالم البشرية. أما الفن بالمقابل، هو أداة لعكس جانب أو أكثر من جوانب هذه الثقافة، وهو في هذا الأمر بالتحديد لا يختلف عن الأدوات الأخرى التي تعكس جوانب الثقافة المختلفة كالأدب مثلاً، كما أن الفن يعكس وجهة نظر الفنان بصفته الفردية أو مجموعة من الفنانين عندما تتحول طريقة التصوير هذه إلى «مدرسة فنية»، بينما الثقافة غالباً تمثل المجتمع أو جزءاً كبيراً منه، وبذلك يكون الفن نشاطاً أو مُنتجاً محدداً جداً، في حين أن الثقافة هي كل شيء نحن محاطون به، وإذا أردنا أن ننزل إلى مستوى أعمق حول وظائف الثقافة نجد أنها «المخزن» الذي يستمد منها المجتمع هويته وتماسكه الاجتماعي، وكذلك وظائفه وعلاقاته داخل النطاق الاجتماعي مما يحدد قنوات القبول الاجتماعي، وبينما لا يتوافر الفن على مثل هذه الوظائف المهمة جداً نجده يتميز أحياناً ببعده الجمالي الذي يخاطب الروح البشرية، ومن هنا اكتسب الفن بعده الترفيهي والترويحي على اختلاف ميول البشر الفنية.