لحَى الله ذي الدّنْیا مُناخاً لراكبٍ ** فكُلُّ بَعیدِ الهم فيها مُعَذَّبُ

إنها الدنیا الشاقة والمتعبة، وبالذات لأصحاب الأماني الكبار، والهمم العالیة، فالدنیا لا تسعفهم، ولا تساعدهم دائماً في تحقیق أمانيهم ورغباتهم، لأن وراء تحقیق تلك الأماني والرغبات عقبات كَأْداء وعوائق شائكة، وظروفاً غیر مساعفة، وربما كذلك حظوظ عاثرة.. والأماني، والرغبات مختلفة باختلاف أصحابها، وأعجب شيء أن تكون هذه الأماني ساذجة، ومضحكة مثل قول أحدهم:

ألا لیت هارونَ یمشِي حافیاً

ولیس على هارون خفٌ ولا نعلُ

فأكبر هم هذا الشاعر أن یجرح الشوك وتلهب الرمضاء رجلي هارون! وهناك ما هو أرقى قليلاً كتلك الأعرابیة التي تزوجها أحد تجار المدن فتمنت أن تعود إلى سابق عهدها أن تعیش هناك في براریها الواسعة.. وهواء طلق، وحلیب ناقة، وماء عذب، وبیت شَعَر:

تمنَّتْ أحاليب النياق وخيمةً

بنجد فلم يُقْض لها ما تَمَنَّت

إذا ذكرت ماءَ العُذيبِ وخيمةً

وبرد حصاه آخر الليلِ أَنَتِ

مسكينة هذه الأعرابية التي كان مسكنها فضاء رحباً، ومساحة واسعة، سعة ما بين طلوع الشمس إلى مكان غروبها فوضعت في غرفة بين جدران مغلقة، حتى وإن كانت مغلفة بالحرير، ومعطرة بالورد.. فهذا يسجن روحها كما يسجن بصرها.. وهكذا تكون الأماني، كما يكون أصحابها! فهناك من طموحهم يعلو فوق السحاب، وهناك من طموحهم يهبط على الأرض لا يتعدى ظل صاحبه.. والأماني كما هو معروف مختلفة متنوعة تعتمد على طموح صاحبها، ولعل أغرب وأعجب شيء قرأته عن الأماني، أمنية عنترة بن شداد الذي كان يتمنى ألا يقبض الموت روحه، فيحول بينه وبين منازلة خصومه - أبناء ضمضم - قبل أن يدير رحى الحرب على رؤوسهم:

ولقد خشيتُ بأنْ أموتَ ولم تدرْ

للحربِ دائرة على ابْنَي ضَمْضَمِ

الشَّاتِمِيْ عِرْضِي ولم أشْتِمْهُما

والنَّاذِرَيْنِ إذا لم ألقهما دَمي

إن يفعلاَ فلقد تركتُ أباهما

جزرَ السباع وكلِّ نسرٍ قعشم

فابن شداد هنا يخشى من الموت الذي سيحول بينه وبين تحقيق أمنيته وهي قتل - ابني ضمضم - فيرميهما لمخالب السباع والنسور.. وكلٌ على قدرِ أمنيته.