من انساق خلف ما يسمع من الأخبار، ولم يلتزم بمبدأ التثبّت والتحرّي، وقع في مزالق خطيرة، وندم في مواقف كثيرة، وكم أزهق من نفسٍ، وسفك من دمٍ، وهتك من عرضٍ، وقامت من حربٍ بأخبار كاذبة لفّقها ملفّق همّه الإفساد في الأرض..

في كل زمان ومكان ينجذب كثير من الناس إلى تداول ما يذاع من الأخبار، ويلوكون ما يقول القائلون، ويخوضون فيما يخوض فيه الخائضون، متذبذبين بين النفي والإثبات، والزيادة والنقصان، ومن شأن هذا الخوض أن يفضي بهم إلى الغرق في بحر الأوهام الشنيعة، والتخرّصات الفظيعة، وأن يلهثوا وراء التكهنات الغريبة، والاستنتاجات المتهافتة العجيبة، ناسين أو متناسين ما للإشاعات والإرجافات من الضرر المتناهي الذي لا تخطئه العين، ولا ينكره المنصف، وذلك أنها وسيلة لإحقاق الباطل، وإبطال الحق؛ ولذلك سدّت الشريعة الإسلامية الأبواب المؤدية إلى الإشاعات والإرجاف، وقد تجلّى ذلك فيما يلي:

أولاً: التنديد بمن يذيعون ما سمعوا من الأخبار، ولا يردّون أمرها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى أولي الأمر منهم، قال تعالى: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردّوه إلى الرّسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الّذين يستنبطونه منهم ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته لاتّبعتم الشّيطان إلّا قليلًا).

قال بعض أهل العلم: (نزلت في أصحاب الأراجيف، وهم قوم من المنافقين كانوا يرجفون بسرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويخبرون بما وقع بها قبل أن يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فيضعفون قلوب المؤمنين بذلك، ويؤذون النبيّ عليه السّلام بسبقهم إيّاه بالإخبار)، وهذه الآية وإن نزلت في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، وخطورة إفشاء أمرها إلا أنّ حكمها عام في كل قضية تقع، منطبق على أي نازلة تنزل؛ فإن معالجة النوازل، وترقيع الخروق، ومعالجة المشكلات كل ذلك منوط بأولي الأمر، وإذا تناولته ألسنة العامة، وأدلى فيها كل ناعق برأيه اتّسع فيه الخرق على الراقع، وبالمقابل إذا أمسك المتطفلون عن تطفلهم، واستقلّ أولو الأمر، وأهل الرأي بمهامهم في تحرّي الحقائق، تيسّر لهم إحقاق الحق، وإبطال الباطل.

ثانياً: التثبت والتعقّل، فالإسلام دعا إلى التثبت عند تلقي الأخبار، وشرط شروطاً لقبول الخبر، والأصل في ذلك قوله تعالى: (يا أيّها الّذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإٍ فتبيّنوا أن تصيبوا قومًا بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)، ولا شك أن من انساق خلف ما يسمع من الأخبار، ولم يلتزم بمبدأ التثبّت والتحرّي، وقع في مزالق خطيرة، وندم في مواقف كثيرة، وكم أزهق من نفسٍ، وسفك من دمٍ، وهتك من عرضٍ، وقامت من حربٍ بأخبار كاذبة لفّقها ملفّق همّه الإفساد في الأرض، ولا ننسى أن فتنة مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه التي هي أخطر فتنة وقعت في الإسلام، وانفتحت معها أبواب الفتن والمحن إلى يومنا هذا كان من الأسباب الحاسمة فيها خبر ملفّق مدسوس.

ثالثاً: عدم إشاعة السوء ونقله، فقد كافحت الشريعة إشاعة السوء من القول مكافحة تامة، خصوصاً إذا تضمّنت إشاعة السوء من القول إذاية المسلم بما لم يقترفه، وقد توعّد الله سبحانه وتعالى من يؤذي المؤمنين هكذا، فقال: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً)، بل إن الإسلام نهى عن الجهر بالسوء من القول الذي هو أخف من إشاعته، قال تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسّوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعًا عليمًا)، ولو نظرنا إلى الحدود الشرعية المفروضة في الجرائم الكبرى لوجدنا من بينها حدّ القذف الذي شرع لزجر الناس عن إشاعة السوء في خصوص الأعراض، وقضايا الشرف، وفي ذلك دليل على أن الإسلام يحمي الشعور الإنساني عما يؤلمه، ويخدش فيه.

رابعاً: وضع الضوابط المنظمة للشهادات، فمن مناهضة الإسلام للإشاعة، والأخبار الكاذبة عدم اعتبار الشهادة إلا بضوابط معينة بعضها يتعلّق بالشاهد من عدالةٍ وغيرها، وبعضها واجبات تلزم الشاهد، كعدم تسويغ شهادته بما لم يعلم، وإذا تمّ الالتزام بهذه الضوابط، انحسرت الإشاعات، وضاقت دوائر التكهنات، وصار الناس في مأمنٍ من التخبّط الذي يصاحب الانفلات في تداول الأخبار، والذي لا ينتج للمجتمع إلا الفتنة والبلاء.