إن كل شيء على هذه الكواكب يعتمد على قوة الإقناع والحضور، فالناس يصدّقون أعينهم على أذانهم، لذلك إن كُنت حالِماً عليك أن تتحلى بفن الإقناع على أرض الواقع لا حديث مساء يُنهيه الصباح..

الإقناع فنّ، ويُعد عِلماً بحد ذاته، ومتى ما كان الإقناع قوياً أصبح رمزاً، والرمز كما يقول غرين كالعَلَم أو الحكاية الأسطورية أو النصب التذكاري لوقعة عاطفية تكمن في أن كل واحد يفهمك دون أن تقول شيئاً.

إن كل شيء على هذه الكواكب يعتمد على قوة الإقناع والحضور، فالناس يصدّقون أعينهم على أذانهم، لذلك إن كُنت حالِماً عليك أن تتحلى بفن الإقناع على أرض الواقع لا حديث مساء يُنهيه الصباح.

وتبياناً لذلك القصة المهنية لعالمة السياسة والدبلوماسية الأميركية «جين كيركباتريك» والتي عُرِفت بمناهضتها للشيوعية، وكانت ديمقراطية لفترة طويلة من حياتها قبل أن تصبح جمهورية في العام 1985م، كما شغلت منصب مستشار السياسة الخارجية للرئيس رونالد ريغان في حملته العام 1980م وبذلك أصبحت أول امرأة تعمل في منصب سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة.

وقبل ذلك كانت جين تعمل كاتبة في الأنشطة السياسية وخاصة فيما يتعلق بوطنها، وكانت شغوفة بعلم السياسة ومتخصصة فيه ومهتمة بعلم التاريخ؛ الأمر الذي دفع الرئيس الأميركي رونالد ريغان أن يستقطبها بعدما اطلع على حرفها ليقلدها منصب «سفيرة» للولايات المتحدة في الأمم المتحدة عندما أصبح رئيساً في العام 1981.

كما انخرطت جين في مجلس الوزراء للأمن القومي ثم بالمجلس الاستشاري للمخابرات الخارجية لأميركا، ثم اخترقت وزارة الدفاع حينما ترأست لجنة وشكّلت تأثيراً قوياً على تغيير سياسات وقيادات خلف أروقة الوزارة التي كانت تدور حول التحكم في النووي، دون أن يشعر القادة بها، الأمر الذي جعل من الرئيس الأميركي أن يؤمن بها أكثر وأكثر ليعينها في مجال الاستخبارات كمستشارة للشؤون الدفاعية.

وقد خلّفت إرثاً لا يُستهان به من المبادئ السياسية والنظريات التي كانت تؤمن بها كـ «مبدأ كيركباتريك»، التي دعت فيه إلى دعم الأنظمة الاستبدادية في جميع أنحاء العالم إذا سارت بما يتوافق مع أهداف وطنها، ورأت أنه يمكن توجيه هذه الأنظمة إلى الديمقراطية. وكتبت: «الحكومات الاستبدادية التقليدية أقل قمعية من الأنظمة الاستبدادية الثورية».

هذه قصة مهنية مُختصرة لامرأة استطاعت أن تُمارس فن الإقناع بصمت باطنه القوة، وظاهره الذكاء والحنكة. الإقناع الذي قادها في نهاية الأمر أن تكون رمزاً من رموز الولايات المتحدة الأميركية في مجال السياسة، وقد أثّرت على أجيال كثيرة من الأميركيين بشأن أهمية الزعامة الأميركية في دفع قضيتي الحرية والديمقراطية في العالم قدماً، وأيضاً من خلال التعليم فقد عملت كأستاذة جامعية في جامعة جورج تاون.

وكل هذه الانتصارات المهنية كان يسبقها ممارسة فن الإقناع، ومن حُسن حظها أنه كان هناك من يفهمها من حكومتها ويتابعها عن كثب دون أن تقول شيئًا عن طموحاتها وعما تمتلك من مهارات فكرية واستخباراتية وسياسية ودفاعية، اكتفت فقط بالقلم الذي كان يروّج عنها؛ لأنها تكتُب لمن يقرأ. لا لمن لا يقرأ، وبالتالي تم استقطابها ووضعها في المكان المناسب لتكون مُحاربة خلف الكواليس للمد الشيوعي بالإضافة إلى مناصبها الأخرى.

والمُثير في الأمر أن جين قد خرجت من عالم السلطة عندما توفيت دون أن تترك أثراً سلبياً كبيراً إذ إن عالم السلطة غالباً مُشابه لحضيرة المواشي أو بالأحرى بالغابة، ففيه العديد من المخلوقات البشرية التي تأتي على هيئة بهائمية من ناحية الفكر طبعاً، كهيئة الثعالب، والضباع، والنسور، والأسود ونحوها.. حيث تطول القائمة. ولم تكن جين لصاً محترفاً بالأموال بل كانت لصاً محترفاً في سرقة الوقت؛ لتدخل التاريخ من أوسع أبوابه، فما أجمل أن أكون لصاً للوقت.. الوقت الذي مهما طال سيقصر يا صديقي الحالِم؛ لذلك دعنا نسرُق الوقت لنجد من يقرأ لنا لا علينا..!