تتميز سياسة المملكة في التعامل مع الملفات المختلفة بالعديد من المزايا التي جعلت معالجات المملكة لهذه الملفات معالجات صحيحة. فمنذ بدأت مشكلة المواطن السعودي جمال خاشقجي ووسائل الإعلام -لاسيما المغرضة منها- تتقاذف هذا الملف كالكلمة يسترقها أحد الجن فيمررها للآخر حتى تصل الساحر مكونة من كلمة صادقة ومئة كلمة كاذبة. أما التعامل السعودي فكان في نطاق سياسة المملكة حيال مثل هذه الملفات التي تتميز بالسرية والبحث عن الصورة كاملة والبعد عن الإثارة رغبة في الوصول إلى الحقيقة.

وقد أفضت هذه السياسة السعودية الرصينة إلى البيان الذي تم إعلانه صباح السبت الماضي. حيث تم الإعلان عن وفاة خاشقجي في القنصلية السعودية بعد شجار تم مع أحد الأشخاص الذين قابلوه. وقد تم إيقاف عدد من المتهمين على ذمة التحقيق.

وبالنظر إلى ملف خاشقجي نجد أنه قد مرَّ بثلاث مراحل جعلت من الصورة التي قدمها صورة متكاملة ومقنعة. فالمرحلة الأولى كانت مرحلة ما قبل الإعلان. وفيها تم العمل بصمت وسرية تامة على جمع الأدلة والحقائق المختلفة بعيداً عن المزايدات أو الإثارة الإعلامية التي تقود في الكثير من الأحيان إلى تشويه الحقيقة أو تغيير ملامحها بالكامل، وبعد أن تكونت صورة ما حدث وبعد تحقيقات أسبوعين جاءت المرحلة الثانية من هذا الملف وهي مرحلة الإعلان نفسه. حيث تم الإعلان وبكل صدق وشفافية عما حدث، حيث تم الاعتراف بموت جمال في القنصلية السعودية وتوقيف المشتبه بهم على وجه السرعة والإعلان عن النية في تقديمهم للعدالة.

وهنا لنا أن نتوقف لنقارن سرعة ومصداقية هذا الملف السعودي مع بعض الملفات الإقليمية القريبة منا، فقد استغرق ملف التحقيق في مصرع رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري عدة سنوات، وعندما تم التعرف على الجناة لم يتم تقديمهم للعدالة!

لقد تميز هذا الإعلان السعودي بميزتين كبيرتين وهما موثوقيته -كما صرح بذلك الرئيس الأميركي دونالد ترمب- وسرعته أيضاً. حيث قال ترمب «جاءت خطوة الإعلان أسرع مما توقعنا». وكل هذا يعطي مصداقية واضحة لهذا الإعلان الذي تم تقديمه بكل شجاعة.

أما ثالث مراحل معالجة ملف خاشقجي التي قد يغفل عنها الكثير من الناس أن حكومة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين -حفظهما الله- لم تكتفِ بالتشخيص لهذا الملف، بل وتعهدت بمحاكمة كل مذنب فيه وتقديمه للعدالة.

نعم إنها مملكة السياسة الرصينة والحازمة التي لا تقبل الاندفاع والإثارة، والتي إذا وضعت يدها على مكمن الجرح عالجته من جذوره وللأبد.. حفظ الله قيادتنا ووطننا وشعبنا من كل مكروه.