مات جمال خاشقجي -رحمه الله- في ظروف صادمة ومحزنة كما ظهرت بعض ملامح الصورة والملابسات إثر صدور بيان النائب العام الذي وضع كثيراً من النقاط على الحروف. صدمتنا الكبرى لم تكن فيما جرى لجمال خاشقجي فقط ولكن فيما حصل بعد الإعلان السعودي عن القضية وما جرى من إعادة إنتاج القصة بوجوه جديدة بوصفها محركاً لمواد إعلاميّة هدفها كل ما يمثل بلادنا.

ليس جديداً أن تواجه الدول الأزمات فهي جزء من التعاطي اليومي للسياسي وكل سياسي هو بالضرورة مدير أزمات. ويبقى السؤال اليوم عن طبيعة الدروس السياسية التي قدمتها الأزمة لنا نحن السعوديين على كافة المستويات. وسبب هذا السؤال أن الأزمات عادة تكشف حجم القدرات ومدى كفاءة القرارات وهي في ذات الوقت كاشفة النيات وتظهر معادن الأصدقاء وحقيقة الأعداء وتسفر عن وجوه الخصوم. ونحن هنا لن نقفز على النتائج ولن نفترض أحكاماً بقدر طرح الأسئلة والتساؤلات.

لماذا أخذت هذه الأزمة حتى بعد الإعلان السعودي أبعاداً تتجاوز الحد المألوف لبعض الأزمات المثيلة؟ وهذا السؤال أساسي لفهم مفاتيح تدويل الأزمات وأسرار تحويلها إلى مكاسب ومكائد سياسية بين أطراف الأزمة والمستثمرين فيها.

على المشهد الدولي ظهرت أزمة اختفاء خاشقجي في مسرح سياسي أميركي تتقاذفه الصراعات بين الرئيس ترمب من جهة والإعلام الليبرالي الأميركي المتمرس من جهة أخرى. ثم إن التوقيت الحرج الذي حدثت فيه الأزمة جعلها كرتاً انتخابياً يتلاعب به الحلفاء والخصوم وهم على مشارف الانتخابات النصفيّة الأميركيّة (بعد حوالي أسبوعين) حيث سيختار الناخبون الأميركيون 35 من أعضاء مجلس الشيوخ و36 من حكام الولايات وجميع أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 عضواً بالإضافة إلى العشرات من المسؤولين التشريعيين المحليين.

وعلى الضفة الأخرى نجد أن بريطانيا (المحافظين) التي تحاول دائماً أن تقول كل شيء لحلفائها دون أن تقول أي شيء هي في صراع أوروبي مع ألمانيا وفرنسا لإتمام العملية القيصرية لخروجها من الاتحاد الأوروبي. وفي الداخل يتربّص (العمال) بالمحافظين فاستثمروا الأزمة بشراسة مدعومين بصحف الاتجاه الليبرالي مثل الغارديان «وذ ميرور» «والاندبندنت» وغيرها. وهو ذات الحال معكوساً في كندا التي يتزعمها الحزب الليبرالي الذي وجدها فرصة للنيل من الحكومة السعودية التي أغلقت الباب في وجهه في أزمة سابقة. وكذلك تبدو الحسابات السياسية لحكومتي فرنسا وألمانيا فالحكومات الحالية واجهت مواقف سعودية حازمة، وبرودة الخط الهاتفي مع ماكرون الذي حاول المزايدة على قضيّة سعد الحريري بنشاط أخمدته الرياض.

أما روسيا والصين فبقيا على ضفة الأزمة ينتظران بحكمة لأنهما يعلمان أن الغرب ينافق ويزايد وتركيا تحسب المكاسب وربما منها تنشيط العلاقة مع الرياض. أما المشهد العربي فقد كان واضحاً حال النظام العربي الرسمي في مثل هذه الأزمة كما في كل أزمة سابقة. وبطبيعة الحال يستثنى من ذلك (الأشقاء) في حكومة قطر فقد قرروا في هذه الأزمة تأكيد منح عرابي قناة «الجزيرة» سلطة الدولة، وأعطوا مذيعيها مناصب الإعلام والخارجية ووزارة فقدان المروءة.

  • قال ومضى:

ما أجمل أن يتنفس السؤال.. في صباحات الأجوبة..