لم يترك الإسلام الأمر عفويا موكولا إلى المزاج، فقد فرض في العطاء زكوات وكفارات ومعاملات مالية كثيرة، يستقر بها المآل في يد صاحب الحاجة، مراعيا أقصر وأخصر الطرق الموصلة إلى المطلوب دون إحداث منّ ولا أذى..

في خضم التقلبات والمتغيرات، وعلى نتوء المنعطفات والمنحدرات، تظهر الحاجة الملحّة لمكارم الأخلاق، التي جاء الإسلام لإتمامها. فإن الإسلام ليس مشروعًا مجرّدًا عن أساسيات وكماليات التعامل الأخلاقي بين بني البشر، فهو زاخر بالترغيب والحث على أحسنها.

وفي القرآن الكريم انتقاء لأظهر حرف للإثبات في موضعٍ أقسم الله فيه بالعلم وأداته، ثم أردف جوابه (وإنك لعلى خلق عظيم)، ولا تفي بمكارم أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا أسطر محدودة، غير أنا ننوه ونذكر بخلق الكرم والعطاء، وهو أمر أعطى الإسلام له اهتماما كبيرا، لتعلقه بكثير من واجباته وفروضه، لجبر كسر التقلبات والأزمات التي تلحق بكثير من الناس في كثير من البلدان، فيستوجب الحال إحياء صفة الكرم بين الناس.

ولم يترك الإسلام الأمر عفويا موكولا إلى المزاج، فقد فرض في العطاء زكوات وكفارات ومعاملات مالية كثيرة، يستقر بها المآل في يد صاحب الحاجة، مراعيا أقصر وأخصر الطرق الموصلة إلى المطلوب دون إحداث منّ ولا أذى، ولا تُشعر الآخذ بتحرج في أخذه، وقد عمد الإسلام إلى الترغيب في انتقاء الأجمل والأحسن عند العطاء، تماما كما ينتقي أحدنا أطايب الكلم في حديثه مع من يحب، (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم)، فهو أمر بالإنفاق مردوفا بأمر انتقاء الأطيب، ومتبوعا بتحييد سوء النية في العطاء (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه)، وهو أمر وإرشاد بليغ الدلالة؛ لجعل ما كان من أساسيات دوام التعايش بين البشر أمرا أساسيا وليس استثنائيا لا يؤبه به.

وهنا نود الإشارة إلى أمر أبعد من ذلك، وهو أن بعض الناس ينتقون الأسوأ دائما، ليس فيما يتعلق ببذله وعطائه، بل في كل معاملاته! وأسوأ من ذلك من جعل «أمر دينه» أصلا فضلة في حياته، فلا يعطيه إلا ما فضل من وقت أو مال أو كلمة أو... أو... إلخ، ويتعامل مع إسلامه كتعامل ذلك المخطئ في عطائه حين يتيمم الخبيث من ماله فينفقه على من نقص في عينه وهو عند الله عظيم.

وعود على ذي بدء، فإن الإسلام لم يكن بدعا في الحث على العطاء والكرم، بل جاء متمما له بما توارثه الناس فيه، وقد اشتهر كثير من كرماء العرب وبلغ ذكرهم مبلغا كبيرا، حتى كان أحدهم من كثر عطائه وكرمه نسي نفسه فأصابه نحول الجسم، فقال في ذلك:

إِنّي اِمرُؤٌ عافي إِنائِيَ شِركَةٌ

وَأَنتَ اِمرُؤٌ عافي إِنائِكَ واحِدُ

أَتَهزَأُ مِنّي أَن سَمِنتَ وَأَن تَرى

بِوَجهي شُحوبَ الحَقِّ وَالحَقُّ جاهِدُ

أُقَسِّمُ جِسمي في جُسومٍ كَثيرَةٍ

وَأَحسو قَراحَ الماءِ وَالماءُ بارِدُ

يمدح نفسه ويعلل شحوب جسمه بكثرة الآكلين على مائدته، ويعير من عيره بالشحوب بأنه يأكل بمفرده.

وقد كان إبراهيم - عليه السلام - كثير الضيفان حتى جاء في بعض كتب التفسير أنه اعتاد ألا يأكل بمفرده، وقد كان نبينا - صلى الله عليه وسلم - قد ضرب المثل الأعلى في الكرم حتى كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ويقدم جليسه وضيفه على نفسه في الأوقات التي كان لا يوقد في بيته نار أياماً متتالية، وليس الأمر مقتصرًا على المأكل والمشرب وسد الحاجة والفاقة، بل إن باب الكرم والعطاء واسع، ولا يختص أيضًا بالأفراد، فالشعوب والدول والمنظمات والمؤسسات معنية بتقنين وتنظيم العطاء، ليعم نفعه، وتنتشر آثاره، ولا نحتاج إلى ذكر سبق المملكة في ذلك، فخير الله منها قد عم كل بقاع الأرض، وإنما نذكر هنا لإحياء ما اندثر عند كثير من الناس على المستويين الفردي والجماعي. هذا، والله من وراء القصد.