من منا خرج من بوتقة العالم الأدبي للنصوص إلى المجتمع وفض غلالة ما لدينا من إبداع لربطها بالمجتمع وطرح نظريات تعمل على إيقاظ الوعي وتنميته لدى الفرد العادي في المجتمع وغير المشغول بالنظريات وفلسفتها؟

لم يكن ليتسنى لنا رؤية هذا التقدم الغربي في منهجه وفي ثقافته وفهمه إلا بالرجوع إلى ما سبقونا إليه من نظريات وفلسفة، هي ذاتها لم تكن محصورة في إطار المنهج النقدي للأدب، وإنما عملت على صياغة الوجدان الجمعي آنذاك. فالفلسفة الوضعية تعد رابطاً وثيقاً بين مضامين الأدب والمجتمع، فكان لهم ما هم عليه من الوعي.

وللوعي ونظرياته مسالك ومدارك في إطاره الفلسفي، حتى تتخلل الوجدان بدون شك، فالوعي لا ينحصر على المعرفة فحسب، وإنما يتجاوزها إلى مستويات عدة ومنها الوعي القائم ثم الوعي المحتمل ثم الوعي الممكن. فهل نزلنا إلى ساحة النزال لتطوير الوعي؟ وهل كانت مجتمعاتنا تتجاوز الوعي القائم إلى الوعي الممكن؟

تساؤلات ملحّة بعد أن طالب فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي منذ أيام - حينما تحدث عن الثورات العربية - بإيقاظ الوعي. وكنت إبان الخراب العربي الذي حل بنا أتساءل: هل من ساحة فسيحة ينازل فيها المثقفون والأكاديميون بعضهم البعض لطرح ما لديهم من علم لإيقاظ الوعي والوصول به إلى الوعي الممكن، حيث إن أغلب أفراد المجتمعات العربية يقف بهم الحد عند الوعي القائم إن أمكن!

وببساطة شديدة نقول: إن الوعي القائم كما عرفه الفلاسفة هو قدرة المرء على إدراك واقعه من خلال عنصري المعرفة والشعور. أما الوعي المحتمل فهو ربط حدود الوعي البشري بعدة جوانب منها التاريخية والجعرافية والحضارية والفنية والأخلاقية والحضارية الخ.. أما الوعي الممكن فهو يتعدى كل ذلك بكثير إذ إنه يتنامى بكل ما سبق حتى يصل إلى التغيير والإبداع الفكري بذات نقدية تحليلية تعمل على البناء والإبداع الفكري والأدبي والفني والحضاري.

فهل ذهبنا بمجتمعاتنا إلى الوعي الممكن بتدرجاته تلك؟

حين ذهب جورج لوكاكش (1885-1971) بنظريته الوعي الطبقي ربطه بالإبداع فالإبداع لا يمكن أن يكون بمعزل عن المجتمع، بل تفاعل معه بما أسماه نظرية «المكوك» ليجمع بين الإبداع والمجتمع في ضفيرة واحدة. وهي رغبة منه في ذلك التماس المعرفي والأنس المجتمعي، في رباط وثيق بين الذات والموضوع، ليتنسى للفرد ذلك الأنس وتلك الصلة المنوطة بالمعرفة. فأقام كتابه «التاريخ والوعي» حيث يطرح تساؤلاً حول هل يمكن اعتبار كل من أفلاطون وماركس وهيغل علماء اجتماع في تحليل إجرائي؟

فالإبداع لديه هو تلك الأداة الفاعلة في تطوير الوعي الجمعي حيث إنه الأداة الطبيعية لعمليات التحليل هذه وهي التحليل النظري والأبستمولوجي. «فعلم المعرفة ينطلق من مفاهيم أبستمولوجية لا محالة، ليصل فيما بعد إلى مجال ربط المفاهيم بالواقع المعاش. لذلك فالحاجة إلى السوسيولوجيا كعلم وتقنيات ومنهجية في خطوة لاحقة».

ثم إن جورج لوكاكش مثله مثل بوبر وكارل ماركس ومنهايم ممن أقاموا مبدأهم على العودة إلى الجذور شأنهم شأن تايلور في ذلك الأمر وهو مبدأ «الإثنية» وهو العودة إلى الأصول كما دعا إلى ذلك من بعدهم دريدا وفوكو بالعودة إلى القديم وأسبغا عليه الإعادة والتكرار وإعادة الصياغة مع اختلاف كل منهم في مبدأ العودة للماضي. إن جورج لوكاكش يرى العودة للجذور أمراً حتمياً وبذلك خرج إلى النطاق الخارجي للنص وفض غلالة النص لربطه بالمجتمع.

«العودة إلى أصول المفاهيم تفترض منه كشف أثرها ورصد هذا الأثر في تاريخ البشرية. والعودة إلى جذور المفاهيم بغرض متابعة سيرها في حياة الجماعة يفترض الغوص في ثنايا هذه المفاهيم في إيفائها حقها من التحليل النظري».

ولذلك نقول: من منا خرج من بوتقة العالم الأدبي للنصوص إلى المجتمع وفض غلالة ما لدينا من إبداع لربطها بالمجتمع وطرح نظريات تعمل على إيقاظ الوعي وتنميته لدى الفرد العادي في المجتمع وغير المشغول بالنظريات وفلسفتها؟ ومما لا شك فيه أن تلك النظريات تتسرب قسراً للوجدان الجمعي شئنا أم أبينا تسرباً يعمل على صياغة الوجدان! فهل اهتم النخبة من مثقفينا بصناعة الوعي عبر تطوراته التي تقف عند الوعي القائم لدى الكثير من أفراد المجتمع.

ولذلك استغل الإعلام الغربي والممول والكاذب فينا هذا الأمر، فأخذ يروج الشائعات والمؤامرات والكذب والخداع متيقناً تمام اليقين أن أفراد المجتمع لا يقفون إلا عند الوعي القائم فقط ولا يتعدون ذلك. فالإعلام الصهيوني يعلم تمام العلم أن أداته في حروب الجيل الخامس هو الآلة الإعلامية وتواضعها في بلادنا، يساعده على ذلك الأخذ باستخدام النظرية التفكيكية التي ابتدعها جاك دريدا وروج لها كل من فوكو وإدوارد سعيد وغيرهم وأخرجها من دائرة النص الأدبي إلى ساحات صياغة الوجدان الجمعي وتغييره بحسب مقتضى الحال بالنسبة لعلماء الإعلام الغربى ومن يتبناه في عالمنا؛ ومن المعروف أن التفكيكية ترتكز على هدم الماضي ثم إعادة بنائه، وهدم كل الكاريزما وكل ما هو موروث أو تراث أو قيمة، وهذا ما كان ينادي به فريدريك إنديك مسؤول المعهد البريطاني - الأميركي وغيرهم كثر. أليس ذلك ما اجتاح وطننا العربي وخربه؟!

إنه يتوجب علينا النهوض بالوعي الجمعي وترقيته إلى مستوى الوعي الممكن لتوظيف الذهنية النقدية لدى كل واحد فينا، وهذا دور النخبة والمؤسسات.