وتحصل الرشوة فيه بأن يبذل صاحب الصلاحية تلك الأمور طُعمةً لمن يرجو منه مصلحة معينة تخصه، ويُقايضهُ بما في يده من خدمات، فيُعطي ليستلم، ويبذل ليغنم، فهو تاجرٌ في زيِّ مسؤول

الرشوة من الممارسات السيئة المحرمة شرعاً، والمجرّمة نظاماً، واليوم نرى الدول المتقدمة، والأنظمة الصلبة لا تألو جهداً في محاربتها، والدفع بقوة في صدور سماسرتها، وقد سبقها الإسلام إلى ذلك منذ عشرات القرون، فقد لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي، فالمسلمون المتمسكون بتعليمات دينهم هم الرّواد في درب النزاهة، وطهارة الأيدي من الأموال القذرة، وقد شهد العدو قبل الصديق لهم بذلك، فعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ رضي الله تعالى عنه إِلَى خَيْبَرَ، فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِ خَيْبَرَ، قَالَ، فَجَمَعُوا لَهُ حَلياً مِنْ حَلْيِ نِسَائِهِمْ، فَقَالُوا: هذَا لَكَ وَخَفِّفْ عَنَّا، وَتَجَاوَزْ فِي الْقَسْمِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ رضي الله تعالى عنه: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، وَاللهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللهِ إِلَيَّ وَمَا ذَاكَ بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ، فَأَمَّا مَا عَرَّضْتُمْ مِنَ الرُّشْوَةِ فَإِنَّهَا سُحْتٌ، وَإِنَّا لاَ نَأْكُلُهَا، فَقَالُوا: بِهذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ. أخرجه الإمام مالك وغيره.

هكذا كانت حال سلفنا الصالح في التّسامي، والترفّع عن الدنايا، وعدم الانقياد للنفس الأمارة بالسوء، وإن وُوجهوا بمغريات مادية يتحلَّبُ لمثلها لُعابُ ذوي الجَشَعِ، وينحني أمامَها أهلُ الطّمع.

والرشوة قسمان: القسم الأول: ظاهرةٌ لا يخفى قبحها، وسوء أثرها، ولا يتمارى اثنان في خطورة شأنها، وتتمثل في شراء ذمة صاحب الصلاحية بدفع المال له مقابل تحصيل مصلحة عنده، وإنما يُقدمُ عليها من يتورّط فيها استئساراً للنزوات، وركضاً في ميدان الشهوات، وهو في قرارة نفسه مُدركٌ أنه يخالف بذلك أوامر الشرع الحكيم، ويخالف الأنظمة وقيم ومبادئ الشرفاء من البرية على اختلاف أديانهم، ويعي أنه يُلوِّثُ يد من يتعامل معه، ويُعينه على أن يخون أمانته، فلا يمكنه - والحالة هذه - أن يتظاهر بأن فعلته سديدة، ولا أن يدّعي أن صفقته رشيدة.

القسم الثاني: خَفِيَّةٌ قد يدّعي المتلبس بها أنه بريء الساحة، نقيُّ الراحة، مع أنه مُنجرفٌ في تيّارٍ طاغٍ من الرشوة تتقاذف به أمواجه العاتية، ومُنغمسٌ في مستنقعات الخيانة الشائنة، وإن تظاهر بخلاف ذلك، ويتمثل هذا القسم في الرشوة الإدارية بدفع خدمةٍ وطنيةٍ معينة تُستَحقُّ بضوابط وآليات حدّدتها أنظمة الدولة، كتعيينٍ على وظيفة، أو قبول في دراسة، أو نقلٍ، أو ترقيةٍ، وما جرى مجرى ذلك مما يتعلق بحوائجِ الناس ومصالحهم، وتحصل الرشوة فيه بأن يبذل صاحب الصلاحية تلك الأمور طُعمةً لمن يرجو منه مصلحة معينة تخصه، ويُقايضهُ بما في يده من خدمات، فيُعطي ليستلم، ويبذل ليغنم، فهو تاجرٌ في زيِّ مسؤول، وهذا القسم من الرشوة بالغ الخطورة؛ لخطورة المخالفة الـمُغلَّفة بغلافٍ نظاميٍّ مُزيّف، فهو بذلك أساء استخدام النظام، وطوّعه لصالحه الشخصي، وحَرَمَ من يستحقه متظاهراً أمام الجميع بأنه يؤدي عمله على الوجه المطلوب، ومعلومٌ خطورة استحلال الأعمال المحرمة بواسطة تسميتها بغير أسمائها، ومما يزيد سوء هذا النوع من الرشوة أن العادة جارية بتعويل من يمارسها على الهامش المتاح له من الأمان، فيسترسل في مخالفاته بلا وجل ولا خجل، والمتعامل معه كذلك آمنٌ على نفسه لا يخاف تبعة تصرفاته، ولا تقضُّ مضجعه شناعة فعلاته، ومصلحة الوطن والمواطن هي الضحية المتضررة بهذا القسم من الرشوة «الرشوة الإدارية»؛ لأن أساسها ينبني على حرمان المستحق، وإعطاء من لا يستحق، واستغلال السلطة للمآرب الشخصية، والمنافع الذاتية، وضياع المسؤوليات التي أُسندت - جرّاءَ هذا - إلى من لا يُمكنهُ النهوضُ بها، والتضحية بالأمانات المنوطة بمن لا ينبغي أن يُؤتمن عليها، وكل هذا كفيلٌ بأن تسعى الجهات المختصة مشكورة إلى تخليص المجتمع من هذه الظاهرة، ومما يُعين على ذلك أن تُسمّى هذه العملية الإدارية باسمها الحقيقي المستهجن شرعاً وعرفاً ألا وهو الرشوة، ويُنزع عنها هذا الغطاء الذي تستَّرتْ به، فمتى تمّت تعريتها، وأطلق عليها اسمها الحقيقي تجنَّبها كثيرٌ ممن مارسها، وأدمنَ فعلها، وجعلها ديدناً له، كما أنها إذا صُنفت ضمن الرشوة المجرمة سهل تطبيق نظام الرشوة عليها، والله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.