يجب أن نضع نصب أعيننا أننا نواجه اليوم حرباً أعظم مما سبق أن مرّ بنا من حروب وفتن، وذلك لخبث الأسلحة وخفاء الأعداء المندسين، وأنه لا سبيل لمواجهة كل ذلك بعد الاعتصام بالله سوى الوعي ثم الوعي ثم الوعي، وأن نلتفّ حول قيادتنا ونمنحهم كامل ثقتنا..

بدايةً لا يمكن لمسلم عاقل ولا لإنسان سوي أن يقبل إلحاق الضرر بأخيه الإنسان البريء سواء بالقتل أو الاختطاف أو غير ذلك، حتى ولو كان الضحية ممن نختلف معه في أي شأن، بل حتى ولو كان الضحية مجرماً فالمجرم توقع عليه العقوبة العادلة بحكم القانون.

وما حدث مع المواطن السعودي جمال خاشقجي، رغم أنه لم يتضح إلى وقت كتابة المقال ماذا حدث بالضبط، ولم يصدر أي بيان من جهة رسمية معتبرة يكشف الحقيقة؛ إلا أنه في حال وقع عليه سوءٌ –وهذا ما زلنا نرجو ألا يكون– فإن ذلك لا يمكن أن يرضينا نحن السعوديين ويأباه إسلامنا ووطنيتنا وعروبتنا وأخلاقنا.

لكن ذلك لا يعني إطلاقاً أن نغض الطرف عن الحقائق الكبرى التي صاحبت هذه الحادثة وهذه الحقائق يجب أن تكون هي التي على قائمة اهتمامات كل مواطن محب لوطنه، ولا يشغله عنها ما حدث أياً كان هذا الذي حدث. وهذه الحقائق هي:

أولاً: هل يمكن المقارنة بين موت أو قتل إنسان واحد مواطناً أو غير مواطن –في حال ثبت ذلك– مع كل ما جرى ويجري من فظائع الجرائم التي ارتكبتها دول على مرأى العالم وسمعه وبصره، في حق شعوب دول كاملة في فلسطين وسورية والعراق وغيرها من دول المسلمين الذين انتهكت أعراضهم وسفكت دماؤهم وباع العالم في مصيرهم واشترى؟!

ما الذي يجعل الضجة المصاحبة لقضية جمال خاشقجي أكبر بكثير من أي تحرك دولي بحق المذابح الجماعية التي ارتكبت بحق شعوب أبرياء مما يحدث منذ عدة سنوات في منطقتنا المنهوكة؟!

إن ذلك يكشف قدر المؤامرة التي تحاك وتدبّر للمملكة لجرّها إلى الانزلاق في أتون الفتن والتمزق وإحراقها بالنار التي حرقت تلك الدول، بعد أن استعصت المملكة أمام كل محاولات الفتنة والتخريب التي مورست عليها طيلة السنوات الماضية، ونجت –بفضل الله– من السقوط، بل وظلّت صاعدةً في النمو والتحضر والازدهار، مما أغاظ الأعداء وزادهم حقداً ومكراً.

ثانياً: في ظل هذه الفتنة لا يمكن تجاهل الأدوار القذرة التي مارستها أيدي الإعلام المعادي والمنظمات الإرهابية التابعة لتنظيم الإخوان المفلسين وأذنابهم والمحسوبين عليهم، الذين أغرقوا العالم وشعوبه ووسائل إعلامه بالتناول غير الأخلاقي والمغرض لقضية خاشقجي بالتحليلات والتوقعات وبث الشائعات والأخبار التي يكذب بعضها بعضاً، فهل كل ذلك حباً في المواطن السعودي خاشقجي؟ أم غيرةً على الحقوق الإنسانية؟ كلا والله لا يخطر ببال عاقل أنهم كذلك، وهم منظمة الإرهاب الذين تلطخت أيديهم بدماء الشعوب العربية المسلمة في المنطقة بعد أن حوّلوا دولهم إلى حمّامات دماء مراق، وساحات حروب مجنونة، ونهبت خيرات تلك الأوطان وخسرت ما كان بقي لها من مقومات حياة وأمن.

ثالثاً: إن مكانة وطننا المملكة العربية السعودية بلد الحرمين الشريفين في قلوبنا وتمسكنا بأمنها وأمانها ووحدتها واستقرارها يجب أن يكون هو المسيطر على كل مشاعرنا وقلوبنا واهتماماتنا، ويجب أن نضع نصب أعيننا أننا نواجه اليوم حرباً أعظم مما سبق أن مرّ بنا من حروب وفتن، وذلك لخبث الأسلحة وخفاء الأعداء المندسين، وأنه لا سبيل لمواجهة كل ذلك بعد الاعتصام بالله عز وجل سوى الوعي ثم الوعي ثم الوعي، وأن نلتفّ حول قيادتنا ونمنحهم كامل ثقتنا، ونثق أننا نحن وهم في مركب واحد هم ربّانه الحكيم وهم المؤتمنون على قيادته وتجنيبه المخاطر بإذن الله، وأن هذه الدولة في أيد أمينة من العقول الحكيمة والعزائم الماضية والرجال الممتلئين إخلاصاً وحنكة، فلنمنحهم دعاءنا المستمر لله عز وجل أن يوفقهم ويسددهم ويحفظ البلاد والعباد من كل كيد ومكر.

ولنعلم جميعاً أن السقوط لن يكون إلا حين نأمن أعداءنا ونسلم لهم عقولنا ونسهّل عليهم تنفيذ الدسائس والمخططات المغرضة بأيدينا، وهذا ما لا ولن يكون بإذن الله.