كل ما يفعلونه اليوم تجاه الشعب السعودي من محاولات تكمن في أنهم يتظاهرون بأنهم يؤثرون في هذا الشعب، لهم قرابة قرن من الزمان يعيدون الكرّة خلف الكرّة، وسوف تمر قرون طويلة وهم يعيدون المسار ذاته لأنهم لا يتعلمون من التاريخ بقدر تعلمهم من الفشل..

من الواضح أننا أمام محاولة يائسة لاغتصاب مفتعل لتاريخ طويل بدأ قبل قرون ولن ينتهي كما يتوقع الذين يعتقدون أن المملكة يمكنها أن تتأثر بمسيرة أحداث طبيعية تحدث في عالم السياسة بشكل متكرر، هناك من يرغب في تأويل الأحداث كما يريد، ويرغب بذلك مستغلاً المساحة الغوغائية التي فتحها لهم «تويتر» أو غيره من وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبح العالم يتوهم وكأن مرتادي وسائل التواصل الاجتماعي هم من يديرون هذا الكون بحديثهم عن مجريات الكون.

تقرير الواقع يختلف تماماً عن إثبات الحقيقة، وفي هذا المقال أتحدث عن المملكة حيث هناك تاريخ طويل من التعامل السياسي مع الأحداث وفي كل مرحلة من مراحل التاريخ تعاملت المملكة بشكل طبيعي وتجاوزت تلك الأحداث وأثبتت حتمية السعودية كخيار وحيد ودائم لأرض الجزيرة العربية كلها، وهذا الدرس قد يصعب على كثيرين استيعابه بدقة، فمن يعتقد أنه موعود بإمكانية تأثير تشكلت في مخيلته وأن عملية التأثير ممكنة فنقول له هذه خيالات واسعة ينقصها فهم السعودية والوضع فيها.

السعودية للذين لا يعلمون بلد يصعب التأثير عليه ليس من القريبين ولكن من كل دول العالم الكبير منها والصغير، وذلك لعدة أسباب منطقية يجب أن يتعلمها الجميع بدقة، أولاً: السعودية هي المملكة الوحيدة على هذه الأرض التي تكتسب شرعيتها وقانونيتها في الحكم بطريقة لا توجد في أي مملكة على هذه الأرض، الشعب السعودي لا يعاني من الانفصال في الولاء بين الولاء للأرض والولاء لمؤسسة الحكم، فهذا الربط التاريخي بين عناصر الولاء هذه لا يتمتع به أي مجتمع، وهذه إحدى أهم نقاط القوة التي صنعها تاريخ المملكة حيث الربط ظاهر في كل خطاب اجتماعي بين الأرض ومؤسسة الحكم والمجتمع.

ثانياً: السعودية هي الدولة التي تناولها التاريخ الذي كتب عن المنطقة بطريقة مختلفة فهي الدولة الوحيدة التي يحذر التاريخ بشكل دائم من أن يصيبها حتى الزكام لأن السعودية إذا أصيبت بالزكام وهو أخف الأمراض فسوف نسمع العالم هو الذي يعطس ويتأثر، لذلك ففهم المسألة السياسية في السعودية أعقد من الاعتقاد بإمكانية تأثرها بحدث سياسي أو صوت إعلامي.

ثالثاً: السعودية بلد الحرمين الشريفين وهي مستقرة في قلب كل مسلم وينظر إليها كونها ممثلاً حقيقياً لمعاني الإسلام، لذلك فإن الأصوات المضادة منذ نشأة المملكة، في دولتها الثالثة في عهد الملك عبدالعزيز - رحمه الله - في بدايات القرن العشرين، عجزت أن تفتعل انفصالاً بين السعودية وبين مكانتها الإسلامية في ذات وقلب كل مسلم على هذا الكون.

نحن اليوم نختبر مع هؤلاء المرتبكين حقيقة التاريخ التي نعرفها جيداً نحن وإياهم، ولكننا متأكدون من التاريخ أكثر منهم فقد علمتنا تجربتنا الذاتية أن المستقبل ومهما كان يخفي من مؤامرات جديدة لن يخفي لنا شيئاً آخر أسوأ من تلك الأصوات المتعصبة والدامية التي جعلت من حياتها حياة مبتذلة لم يسبق لهم مثيل في تاريخ البشرية.

كل ما يفعلونه اليوم تجاه الشعب السعودي من محاولات تكمن في أنهم يتظاهرون بأنهم يؤثرون في هذا الشعب، لهم قرابة قرن من الزمان يعيدون الكرّة خلف الكرّة في محاولة لفهم فشهلم في التأثير على السعودية وسوف تمر قرون طويلة وهم يعيدون المسار ذاته لأنهم لا يتعلمون من التاريخ بقدر تعلمهم من الفشل.

قضية المواطن السعودي جمال خاشقجي والهجوم على المملكة الذي نشهده ليس إلا مجرد حملة إعلامية لا تتجاوز في تأثيرها محيط ملعب كرة قدم، السعودية دولة مفهوم عميق يوجد في الإدراك الذاتي للعالم وشعوبه، والسعودية هي البلد الوحيد في العالم الذي تجد كل دول العالم سبباً لفهم مكانتها وتأثيرها وقوتها، إما لأسباب عقدية كما يفعل مليار وأربع مئة مليون مسلم، أو لأسباب اقتصادية كما يفعل الكون كله الذي يعتمد على الطاقة، أو لأسباب جيوسياسية كما يدرك الشرق الأوسط محط المصالح الدولية.

هذه هي السعودية التي رسخت عبر التاريخ لأسباب كونية، فلذلك تميزت بسياسات متزنة لا تبدو فيها أي مؤشرات للارتباك فهي تصمت فيرتبك الآخرون، وتتحدث فيصدم الآخرون، هذه السعودية حقيقة تاريخية لأسباب دولية تؤمن بها جميع دول العالم الكبرى قبل الصغرى، وهذا قدرها أن تكون دولة لها تلك الأهمية في الكون، وهذا ما يبرر كل ما نراه اليوم من محاولة لاغتصاب التاريخ من أجل الإساءة إلى السعودية التي سوف تبقى ويذهب الآخرون بلا عودة، وليتذكر الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً هذه الكلمات، وسوف يضل سعيهم في الدنيا، وإنا على ذلك من الشاهدين.