لم أكتب عن جمال خاشقجي - أعاده الله إلى أهله سالماً - شيئاً منذ مغادرته وطنه وأهله، كما اعتذرت عن دعوات عدد من المحطات التلفزيونية والصحف التي طلبت الحديث حول شخصيته وظروف اختفائه. ولعل من أسباب ذلك أن «جمال» زميل مهنة يواجه محنة لا نعرف كل ملابساتها.

التقيت جمال في أكثر من مناسبة وتشاركنا في أكثر من ندوة واجتماع ومثل أي زميل كنا نختلف ونتفق وكان بحسه الصحفي وخبراته سريع الرد يجيد المحاورة والمناورة. ومن الاجتماعات المهمة التي اشتركنا فيها اجتماع مثير عقد في الرياض قبل قرابة أربع سنوات مع السفير البريطاني «جون جنكينز» الذي كلفه رئيس الوزراء البريطاني برئاسة لجنة التحقيق في علاقة الإخوان المسلمين بالإرهاب وفيما إذا كان يتوجب اعتبارها تنظيماً إرهابياً. هذا الاجتماع الذي كنا فيه (جمال وأنا) على طرفي نقيض، أذكر قصته اليوم لأن جمال سبق وأعلن ذلك في برنامج الزميل إدريس الدريس وحين سأله إدريس: بأي صفة يلتقيك السفير البريطاني؟ رد جمال بصفتي «باحثاً» ونطق الثاء «سيناً» (باحسا) وهي الكلمة (الصفة) التي راجت في مواقع التواصل الاجتماعي من قبل منتقديه. حقيقة لم يكذب جمال فقد كان اجتماعاً ساخناً فعلاً، ولكنه أيضاً تحت نظر الجهات الرسمية وقد شارك فيه مجموعة مركزة تقل عن العشرة من الباحثين السعوديين في شؤون الجماعات والإسلام السياسي.

هل أخطأ جمال في حق وطنه وأهله بخروجه المدوي إلى «المنفى الاختياري» كما سماه بنفسه؟ وهل ظن بحسابات خاطئة أن مقالاته ولقاءاته يمكن أن تخدم مصلحة وطنه في مرحلة سياسية دقيقة تتطلب تضافر الجهود مهما اختلفت الآراء؟ أم أن جمال وقع ضحية فلاشات الإعلام الغربي ومعه الإعلام المنحاز الذي تموله حكومة الدوحة ليواصل نقده الإعلامي لبلده؟ جمال صرح بقوة قائلاً: «أنا سعودي مواطن موال للدولة، موال لأولياء الأمر، وخادم الحرمين الملك سلمان، وأرتبط ببيعة، وأحافظ عليها إن شاء الله».

خروج جمال من السعودية في النصف الثاني من العام 2017، ثم ظهوره المفاجئ في واشنطن كان قصة مثيرة وقتها، وكذلك الحال اليوم مع مسألة اختفائه في إسطنبول. والسؤال هنا: هل كان بناء قصص ظهور واختفاء جمال بمثابة «قميص عثمان» لخصوم المملكة في إسطنبول وأنقره، أم هو استغلال كيدي من قبل بقايا متعهدي الفوضى الخلاقة في الغرب والشرق؟

كانت الحملة المنسقة وعويل عمّال قناة الجزيرة والمواقع الإلكترونية التابعة لجماعة الإخوان المسلمين تتجاوز قصة اختفاء جمال إلى النيل من المملكة لأسباب شتى. الواضح أن الأتراك سياسيون متمرسون ولديهم أجندة سياسية قديمة تسمح لهم بتوظيف أي ملف بدهاء ومن ذلك امتطاء جماعة الإخوان في حلف سياسي براغماتي سيكون الخاسر الوحيد فيه أعضاء هذه الجماعة حينما يتغير الأشخاص والمصالح وتتصالح الدول. والأتراك مهما زاد الضجيج على حلف مع الدولة الأميركية العميقة بوصفهم ورثة الفوضى الخلاقة في الشمال العربي. أما أمراء الدوحة فقد استغل الشياطين (الكبار) في العالم عقدة التاريخ والجغرافيا عند (الصغار) في الدوحة فحوّلوا قطر إلى شقة مفروشة يمارس فيها وكلاء الفوضى الخلاقة كل شهواتهم مجاناً.

  • قال ومضى:

على شبكة تويتر ليس على الخصوم وسوم.. وليس على الكلام رسوم.