إن سياسة المملكة؛ سواء الخارجية أم الداخلية؛ تنطلق من أسس أخلاقية متينة وراسخة، وبلادنا ما كانت –ولن تكون- يوماً حديقة خلفية بحول الله، بل سيادة أرض تامة، واستقلال عقل وفكر، وإباء ومجد، لا تقبل المساومة..

من المصطلحات السياسية العديدة التي راجت مؤخراً؛ مصطلح «الحديقة الخلفية» أو الفناء الخلفي، وقد أفاض في شرحه الكاتب أحمد فهمي في كتاب بذات العنوان بيّن فيه أنه مصطلح له دلالة خاصة في الثقافة الغربية ذلك أنّ لديهم ولعاً شديداً بأن تكون للمنزل حديقتان أمامية وخلفية، حتى لو كان منزلاً متواضعاً، فتستخدم الحديقة الخلفية فيما لا يمكن فعله بالحديقة الأمامية، مثل: تجفيف الملابس وزراعة بعض الخضروات والاسترخاء وغيرها؛ ثم يشير إلى أن هذا المصطلح بدأ استخدامه سياسياً في أميركا، حيث استخدمه بعض المسؤولين في وصف موقع دول أمريكا اللاتينية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ولكنه تعدّى أميركا اللاتينية -حسب واقع الحال- ليشمل دولاً كثيرة في مختلف أنحاء العالم الفقير»العالم الثالث»، ويلفت إلى أن التطبيق العملي لذلك -تبعاً للمصطلح- يعني أن تصبح هذه الدول «حديقة خلفية» أي يُعاد تصميمها وهيكلتها بما يتناسب مع وظيفة «الحديقة الخلفية» الخدمية.

هذا ما تحاول بعض الدول تطبيقه في بعض الدول من خلال الاستقواء والتهديد المباشر وغير المباشر.

تأتي هذه التوطئة في أعقاب الحوار التاريخي الذي كان درساً بليغاً ستذكره ذاكرة الأجيال ويستلهمون منه حصافة العقل وشموخ المواطن وإلهام القائد.

لقد كان حديثاً مذهلاً ومُلهِماً ذلك الذي أدلى به سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لوكالة بلومبيرغ، ففضلاً عن رصانته ووضوحه وقبلها قُوّته وشموليّته التي استبطنت مفاصل مهمة ومحورية إن على المستوى المحلي أو الدولي؛ فقد أثبت أن سياسة المملكة سواء الخارجية أم الداخلية تنطلق من أسس أخلاقية متينة وراسخة، وأن بلادنا ما كانت –ولن تكون- يوماً حديقة خلفية بحول الله، بل سيادة أرض تامة، واستقلال عقل وفكر، وإباء ومجد، لا تقبل المساومة.

ورغم ثراء الحوار وجوهرية الرسائل التي تضمّنها إلاّ أن الرسالة الأقوى كانت تلك المتعلقة باعتماد المملكة في الدفاع عنها على الله أولاً ثم شعبها. لقد كانت رسالة مدوّية صادقة ذات اعتزاز حقيقي وقناعة راسخة بمضمونها؛ رسالة جاءت مؤكّدة لنهج المؤسس ومن خَلَفه من ملوك ساروا على ذات المبادئ التي لا تهادن ولا تتزلّف ولا تدّعي.

لم يُغفل سموه أهمية الولايات المتحدة الأميركية ولم يقلّل من شأنها، بل إنه أكد على أهمية الشراكة معها وفاعليتها وتحقيقها على المدى الطويل من تاريخها الكثير من النجاحات لكلا البلدين. لكن هذا لم يمنع من الصدع بالموقف الأبيّ الذي يستشعره قادة هذه البلاد وشعبها، ولعل ما حدث من عدم توفيق في تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب أتى مُعبِّراً عن لحظة حماس لهدف شعبوي أطلقه في غمرة اندفاعه وحماسه في الانتخابات التي يخوضها كما ذهب إليه أغلب المحلّلين.

أيضاً أشار سمو ولي العهد إلى نقطة لا تقل أهمية تؤكد استقلالية القرار السعودي حين أشار سموه إلى فترة أوباما التي لم تكن إدارتها لكثير من الملفات موفّقة؛ الأمر الذي كان سيغيّر وجهة التعاون والتسلّح لدول أخرى لولا البوادر التي أبداها ترمب وشجّعت على التعاون معه؛ وهو تعاون أثمر نجاحات عديدة لعل أهمها القضاء على داعش والإرهاب في المنطقة.

إنّ قراءة للموقف المتعجّل لترمب ومجانبته للباقة تجاه دولة محورية وصانعة للقرار العالمي كالمملكة يُنذر بتراجع التقدير العالمي لأميركا؛ فهي بالرغم من أنها لا تزال منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، الدولة التي تحتل المرتبة الأولى عالمياً حضوراً وأهمية إلا أنّ هذا الموقع ما برح يتضاءل؛ إذ لم تعُد لغة الاستقواء والغطرسة والتلويح بالتهديد والعقوبة وغيرها هي وسائل الاتصال بين الدول، فثمّة معايير واشتراطات للتعامل لا سيما مع دولة بحجم وأهمية المملكة التي تشكّل ثقلاً دولياً لا يتجاهله سوى جاهل أو حاقد.

لم تقُم نشأة المملكة على الإرهاب والقتل أو الاغتصاب، ولا تحتاج بفضل الله إلى ما يشبه المعجزة حتى تتخلّص من مؤثرات وتبعات تلك النشأة، فقد نشأت على أساس شريعة غرّاء ومبادئ إنسانية عادلة ومنظومة قيم تعزّز من قيمة الفرد والمجمتع وصون كرامته والحفاظ على أمنه واستقراره ورفاهه. وقد أرسى المؤسّس الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- دعائم هذا الوطن الذي ميّزه الله بموقع جيوبولوتيكي مهم ومتفرّد، وبثروات نفطية ومعدنية، وفوق هذا الموقع الروحي لعامة المسلمين واحتضانه لأقدس بقعتين هما الحرمان الشريفان وما تمثلانهما من دلالة رمزية لأكثر ملياري مسلم.

من هنا فإنّ أي مزايدة أو ادّعاء أو محاولة تشويه لنصاعة تاريخ المملكة ورسوخ مبادئها وثبات قيمها ومواقفها العادلة لا يعدو كونه محض زيف وموقفاً لا يمكن تسويغه أو تبريره إلا لدوافع مبعثها حسد مستحكم وحقد دفين وشعور بالدونية والنقص لدى أعدائها ممّن اعتادوا بث سمومهم ونفث عقدهم وأمراضهم النفسية المستعصية.