إذا كانت المرأة تعرف من زوجها التأهل لذلك وكانت - بحسب خبرتها - واثقة به عارفة أنه ليس ممن يجور، فلا ينبغي أن تختلق مشكلة جرَّاءَ تعديده، وإن حصل امتعاضها من ذلك بحسب الجبِلَّةِ البشرية، فلتضبطها ضمن حدودها، ولا تسمح بتحوِّلها إلى مشكلة واقعية..

الإسلام دين العدل والإنصاف، ولا يهدر مصلحة شخص لمصلحة آخر، وقد اعتبر الزواجَ ميثاقاً غليظاً، وشرط له عقداً وثيقاً لما يترتب عليه من مصالح متبادلة بين الطرفين، وقد حثّ النبي صلى الله عليه وسلم أمته على الزواج لغرض التكاثر فقال: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، ومعلومٌ أن الأليق بطلب التكاثر تعدد الزوجات، ولما كان في تعدد الزوجات من الكلفة والمشقة ما فيه، وتفاوتت استعدادات الناس له مادياً ونفسياً وجسدياً، لم يفتح الشرع بابه على مصراعيه مطلقاً، ولم يسدّه مطلقاً، بل أباحه بشروط وضوابط، وفي حدود مرسومة، فلم يُبِح للرجل نكاح أكثر من أربع نسوة، وأباح له الجمعَ بين امرأتين، أو بين ثلاثٍ، أو بين أربعٍ، مع تقييد تلك الإباحة بما يلي:

أولاً: القدرة المادية والبدنية: وذلك أن الزواج لما له من أعباء مادية ونفسية وجسدية، وفيه التزامات واجبة لا يسوغ الإخلال بها، والمخلُّ بها واضعٌ نفسه تحت طائلة المؤاخذة حتى يؤدي ما عليه من تلك الحقوق، وكثير من هذه الواجبات لها تعلّقٌ بذات اليد، وسعة الطول «القدرة المادية» كما تتعلق بالقدرة البدنية، فإذا انتفى القدر الضروري من هاتين القدرتين كان الزواج تغريراً بالمرأة، وتلاعباً بحقوقها، وفي هذه الحالة لا يسوغ حتى نكاح الواحدة، فقد ربط الإسلام أمر الشاب بنكاح الواحدة التي يحتاجها ضرورياً؛ لإعفافه وإعانته على غضِّ بصره بالاستطاعة، ففي الصحيحين عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فليصم، فإن الصوم له وجاء». واستطاعة الباءة المشترطة في هذا الحديث تعمُّ الاستطاعة البدنية وهي القدرة على الوطء، والاستطاعة المالية وهي مؤن الزواج، وإذا كان هذا القيد ملحوظاً في الزواج بالواحدة، فما بالكم بتعديد الزواج الذي هو أشقُّ وأثقل مؤونة، وكيف يجرؤ عليه من يعجز عن متطلباته؟

ثانياً: الأمن من الجور بترجيح كفة إحدى الزوجتين على الأخرى، وتضييع حقوقها، وقد قيَّد الشرع الإذن له في نكاح ما فوق الواحدة بهذا الشرط، قال تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا)، قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: «فخافوا أن لا تقسطوا في حقوق النساء التي أوجبها الله عليكم، فلا تتزوجوا منهنّ إلا ما أمنتم معه الجور مثنى وثلاث ورباع، وإن خفتم أيضًا في ذلك فواحدة».

فمن توفر فيه هذان الشرطان ساغ له التعدد، ويتأكد بحسب درجته في كونه عوناً له على غضِّ بصره، وعدم تطلعه إلى ما ينبغي أن لا يتطلع إليه، وبحسب أمنِهِ من الجور والحيف، خصوصاً إذا انضمَّ إلى ذلك هدف نبيل كالزواج بفضليات الأرامل، والعوانس جَبْراً لما نالهن من فَقْدِ الشريك، ومن العنوسة، فمن نظر في أنكحته عليه الصلاة والسلام عرف أن وراءها أهدافاً سامية من هذا القبيل، ولم تكن العنوسة لتستشري في المجتمع لو أن المستطيعين نَحَوْا هذا المنحى.

وبتوفر هذين الشرطين يكون التعديد من حق الزوج الخالص لا لومَ عليه في فعله، ولا في تركه، وإذا كانت المرأة تعرف من زوجها التأهل لذلك وكانت - بحسب خبرتها - واثقة به عارفة أنه ليس ممن يجور، فلا ينبغي أن تختلق مشكلة جرَّاءَ تعديده، وإن حصل امتعاضها من ذلك بحسب الجبِلَّةِ البشرية، فلتضبطها ضمن حدودها، ولا تسمح بتحوِّلها إلى مشكلة واقعية.

أما من لم تتوفر فيه هذه الشروط بعجزه مادياً، أو بدنياً، أو بعلمه أنه لا يُقسط، ولا يتحرَّى العدل بين الأولى والثانية، فإن تعديده تعدٍّ على السابقة واللاحقة معاً، واستخفافٌ بهما، وبأسرتهما، وهو بذلك قد وضع نفسه في موقفٍ حرج هو غنيٌّ عنه، وتعاطى ما ليس له أن يتعاطاه، ومثل هذا حقيقٌ أن لا تنجح تجربته، وربما خسر العلاقتين معاً الأولى والثانية، وقد قال الحكماء مَا ضَاعَ امْرُؤٌ عرف قدر نَفسِهِ. ولقد أحسنَ الشاعر إذْ قال:

(إذَا لَمْ تستطِعْ شَيْئاً فدَعْهُ ... وجاوِزْهُ إِلَى مَا تَستَطِيعُ).