بعد لقاءات الأمير محمد بن سلمان المحدودة؛ كنت أقول -في كل مرة- إنه أكثر وضوحاً وشفافية، من كل شيء آخر، ولكن هذ اللقاء مع «بلومبيرغ» تفوق على كل ما مضى.. أستطيع أن أصفه بـ «الحوار الشامل» أو «حوار كل الملفات»، حيث تم الحديث للداخل والخارج، عن الإصلاح المجتمعي والاقتصاد والاستثمار، السيادة والأمن القومي والعلاقات الخارجية، التحالفات الثنائية والمهددات والعوائق، رؤية السعودية الطموحة ومستقبلها، ومراجعة التشريعات والأنظمة والاحتياج، وأكثر.

على الرغم من طول الحوار، الذي امتد على مساحة آلاف الكلمات وعشرات القضايا؛ إلا أنه جرد تماماً من الرأي والانطباعات، وكل ما ورد به حقائق ومعلومات وأرقام، وهذا النوع من الحديث المنطقي يفوز باهتمام كل الناس، باختلاف شرائحهم ومنطلقاتهم ومواقفهم، لأنه قابل للتحقق والمراجعة، ومعطياته موجودة والوصول لها في غاية السهولة، لكنها كانت تنتظر من يشير إليها، ليهتدي الباحثون عنها، بعد تعليق الجرس.

السمة الأبرز لحديث ولي العهد السعودي، ليس هذه المرة وحسب، وإنما منهجية دائمة له، تتمثل في طرق أبواب كل الملفات، والتطرق إلى كل «التابوهات»، والإشارة للأشياء بشكل مباشر، دون تلميح أو تغليف، ورسالته: (لا شيء مستثنى من الحديث).. أظن النقطة التي أشار لها معظم الذين أجروا معه الحوارات هي أنه لا يشترط حديثاً محدداً، ولا يطلب محاور مسبقة، ولا يمنع السؤال عن مناطق مطوقة أو مغلقة.

عندما تشخص حديث الأمير، تجد أنه يتحدث للغرب والحكومات الأجنبية باللغة التي يفهمونها، والثقافة التي تتقاطع مع ما يعرفون، وفي حديثه للاقتصاديين يشير للمعايير والمؤشرات التي يتفقون عليها، وللمستثمرين عن مخاوفهم، وضمانات الحماية والرعاية، والأهم.. عند حديثه للداخل، للشعب السعودي، يذكرهم أنهم الأولوية، وأمنهم لا مزايدات عليه، ولا مساومة على سيادة دولتهم، وحمايتهم تأتي من الداخل لا الخارج، وأن مصلحة السعودية فوق كل اعتبار، وبأي ثمن.

النقطة المهمة في نظري، في نفس الوقت، هي أنني أفترض أن يكون هذا الحوار منهجية ومرجعية لكل الأمور، لكل المسؤولين السعوديين، وخارطة طريق عند أي إجابة أو اجتماع. لقد اختصر الأمير عليهم عناء خلق الإجابات، أو التحضير، كل ما يجب عليهم أن يطلعوا على الإجابات، ويستوعبونها جيداً، وينزلونها في السياقات التي تناسبها.

عندما سألني صديق عن اللقاء، بعد ساعات من نشره، أجبته: إن أصعب شيء هو أن تبدي رأيك في شيء واضح ومباشر، وهذه طريقة محمد بن سلمان.. إنها السعودية الجديدة! والسلام.