برز التوازن بشكل ملحوظ وبكثرة بعد حروب القرن العشرين التي تمخّض عنها ظهور ثقل سياسي من مجموعة توازنات القوى، ولم تعد أوروبا هي الوحيدة المخوّلة لممارسة سياسة التوازن، بل انتقل الثقل إلى كل من الولايات المتحدة في جانب، والاتحاد السوفييتي في جانب آخر..

يشهر المحارب سيفه ليفصل رأس غريمه عن عنقه، مؤكداً أنه لا حل لمن توشّح سيفه ليقتله سوى أن يفصل رأسه عن عنقه، فالحسم في المواقف المصيرية يجب أن يكون سريعاً كالبرق وحاداً كالسيف. واحذر أن تجعل ضربتك القاصمة سراً، بل إشهاراً أمام الملأ؛ كي ينصاعوا خلف شجاعتك ويعترفوا بها ثم ليس بعد الاعتراف سوى الإيمان بك وبما اخترته من قرار. وهكذا يستعد الغريم للموت؛ لتكسب أنت القوة والإلهام.

كذلك ينطبق أعلاه على أصدقائنا السياسيين، فهم يحدّدون ثمن سلطتهم من خلال إشهار مواقفهم أو إخفائها تجاه البلدان الأخرى، ولكنهم أكثر مراوغة من العسكريين فقد يكونون كالثعالب يخوضون حرباً دون أن يشهروها كما يحصل في عدد من البلدان العربية الآن. وأحياناً يلجأ البعض منهم إلى إشهار ضعف حلفائه بالخطابات؛ لإحداث توازن في محيط ما.

وللتوازن تاريخ عميق، حيث برز بشكل ملحوظ وبكثرة بعد حروب القرن العشرين التي تمخّض عنها ظهور ثقل سياسي من مجموعة توازنات القوى ولم تعد أوروبا هي الوحيدة المخوّلة لممارسة سياسة التوازن، بل انتقل الثقل إلى كل من الولايات المتحدة في جانب، والاتحاد السوفييتي (أوروبي وآسيوي معاً) في جانب آخر.

هكذا استمرت هذه الممارسات لإحداث توازن من قبل الدول العظمى، وتنوّعت الطرق منها ما هو مشروع وغير مشروع، منها بالسلاح وسفك الدماء ومنها ما اعتلى منابر الإعلام في العصر الحديث ليشهر هذا التوازن، كما فعل ذلك الرئيس الأميركي ترمب حينما أبرمت ألمانيا صفقةً من الغاز مع روسيا، حيث صرّح ترمب وهو غاضب من هذه الصفقة، أن حكومته هي من تقوم بحماية ألمانيا ثم صرّح أن حكومته أيضاً تحمي فرنسا، والأمر ذاته تكرّر في الشرق الأوسط مع عدد من البلدان التي لها ثقل سياسي واقتصادي.

فبعد أن فرض ترمب العقوبات على إيران، وشاكس تركيا في الاقتصاد، اتجهت انظاره إلى السعودية ليصرّح كما صرّح عن ألمانيا وفرنسا «بأنه يحميها» وذلك لخلق نوع من التوازن في المناخ الدولي، كي لا تتصدّر دولة ما «العظمة، والقوة على الدول التي تحيطها خاصة وأن هذه الدول في تنافس مستمر، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً»، والمراقب الدولي يعي جيداً ما سبق هذا التصريح كفرض العقوبات على إيران مثلاً، وتحجيم الاقتصاد التركي، وبالتالي بروز السعودية اقتصادياً وسياسياً خاصةً أنها في نفس المحيط الجغرافي لكلا الدولتين أعلاه، قد يشكّل تهديداً لتوازن المناخ السياسي في المنطقة -حسب ما تعتقد الدول العظمى- لذلك عمد ترمب الى إشهار ضعف حلفائه بالمنطقة؛ لخلق نوع من التوازن، وإن كان حلفاؤه يملكون من القوة ما يكفي وأكثر، وكأنه يحذو حذو هنري كيسنجر حينما كرّس نفسه في كثير من مواقع البنية السياسية إلى درجة أن الاستغناء عنه كان سيؤدي إلى فوضى عامة كما يقول غرين، سواء في داخل أو خارج أميركا، كذلك ترمب يحاول أن يكرّس الأهمية ذاتها من خلال خلق التوازن أمام حلفائه بالإشهار والعلن -مع فرق السمات بين الشخصيتين- فهنري رجل سياسي من الطراز الأول، لا يقارن برجل الاقتصاد «ترمب» حتى وإن كان رئيساً ودخل المسرح السياسي، يبقى هنري متفوقاً في جوانب عدة على ترمب.

ووجه الشبه بين الشخصيتين هو إشعار الآخرين بأنهم بحاجة إليهم دائماً هكذا يتعامل ترمب مع حلفائه، واعتمد على عنصر الإشهار منذ حملاته الانتخابية، وهنا تكمن أهمية إشهار المواقف عكس إخفائها سراً، فالإخفاء طويلاً قد يولّد نوعاً من عدم الاتزان.

لذلك اعتمد على الإشهار ولكن احذر أن تشهر أمراً ما دون تمهيد مسبق -على ألاّ يطول هذا التمهيد- ولنا في أواخر القرن التاسع عشر دروس حينما برز الشعور القومي فجأة، خاصةً بعد أن تحقق كل من الوحدة الألمانية والوحدة الإيطالية، وانتشار القومية السلافية في روسيا والبلقان فتعّرض مبدأ توازن القوى للاهتزاز، واحتدم الصراع بين جرمان وسلاف؛ مما خلّف حروباً طاحنة ومآسٍ ما زال أثرها إلى يومنا هذا، وذلك نتيجةً لمن كان يقف خلف تنامي المشروع القومي لا يؤمن سوى بالجرأة والمفاجأة بالإشهار والعلن كخطابات ترامب حالياً.

وإن واجهت من يتهكّم بقوتك ومقدراتك إشهاراً كان أم سراً، احذر أن ترد عليه كما ردّ الجرمان على السلاف، فالذي يتهكّم بك وبمنافسيك يريد أن يحدث توازناً هائلاً بينكما قد يصل إلى قلب الموازين وظهور قوى أخرى صغيرة قد تنمو ببطء سراً لكنها ستظهر بشكل مباغت وتشهر قوتها بالحديد والدم، بالحسم والفصل كما يفصل المحارب رأس غريمه عن جسده!