إن من يقرأ بتمعّن حوار سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مع وكالة بلومبيرغ، سيكتشف أن هذا الحوار الطويل الشامل يتجاوز مفهوم الحوار الصحفي التقليدي إلى ما يمكن تسميته بإعلان «مانفسيتو» سعودي للحاضر والمستقبل. هناك كثيرون ركزوا على جزء قصير جداً من الحوار حول طبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة وغيرها. وهؤلاء معذورون لأن اللهجة السعودية الواثقة والصادقة في حوار الأمير حول محددات العلاقة مع حليف مهم غير معهودة في السياسة العربية.

من حوار الأمير يمكننا قراءة واقعية وثقة ووضوح الأمير محمد بما يقول، حين أكد أن الولايات المتحدة حليف وشريك اقتصادي، وأن التعاون السعودي - الأميركي مهم للبلدين والعالم. ولكن في ذات الوقت فإن هذه العلاقات التي يكسب فيها الطرفان لا تعني أن شيئاً يأتي بالمجان، وأن أمن السعودية هو مهمة السعوديين وحدهم.

وفي الاقتصاد فكون السعودية عضو مجموعة العشرين تشتري وتستثمر في كل فرصة، ولا شيء يمنع السعوديين من التحرك شرقاً أو غرباً حيثما لاحت الفرص.

وحوار الأمير المدعوم بالحقائق والأرقام في مجالات الاقتصاد يؤكد الثقة في مسيرة التنمية السعودية، وأن الخطط التنموية تتسم بالمرونة لمواجهة التحديات والتقلبات الاقتصادية.

ويتضح من حوار الأمير الفهم السعودي العميق لمستقبل النفط ومحددات سعره، حينما أكد الأمير أن السعودية باحتياطاتها الضخمة من النفط ستبقى مزوداً رئيساً للعالم في حين أن دولاً تنتج حالياً ستختفي بعضها بعد خمس سنوات، وأخرى بعد عشر سنوات. ومما يمكن قراءته في محاور الحوار الشامل وضوح الرؤية السعودية في مجال التحديث الاجتماعي الموزون بما يجعلها تتكئ على ثوابتها وتعيش عصرها بتوازن. وحين قارن الأمير بين المكتسبات الكبيرة وما قد يصاحبها من آثار، فهو بذلك يؤكد أن المستقبل وبناء اقتصاد منافس ودولة عصرية تتقدم الصفوف يحتاج إلى بعض التضحيات المحسوبة.

الأمير محمد بن سلمان في هذا الحوار وغيره من الحوارات والمبادرات يستجيب لاستحقاقات عصره ومتطلباته مدعوماً بقوة الكتلة الصلبة من شباب وشابات المجتمع المتوثب في كل مجال. لم يجامل الأمير نفسه حين تحدث عن الأخطاء المحتملة، ولم يجمل المشكلات والتحديات التي تواجه أكبر عملية تحديث تعيشها المملكة منذ تأسيسها. كان واضحاً شفافاً معترفاً بجوانب القصور والتحدي ومع ذلك فقد كان واثقاً ألاّ مكان في المستقبل لليد المرتعشة والمترددة.

ومع أن الحقيقة تقول: إن معظم شغل خصومك يصب في انتقادك فقد كانت ردود الأمير في كل الحوار واضحة ومعبرة وحازمة. وكأني بالأمير محمد يقول في مسألة الخصوم: إن وطنه المملكة العربية السعودية دولة المبدأ تكتب التاريخ وتعرف صفحاته ولديها تجربتها الطويلة في معالجة أوهام الخصوم وتوثيق نهاياتهم وهو يتساقطون وبلاده بوصلة العالم تشمخ عزيزة براية الحق والتوحيد.

  • قال ومضى:

سلام الله يا وطني.. يا قبلة الدنيا