القنوات الفضائية والشبكة العنكبوتية وبالأخص اليوتيوب والتويتر والفيسبوك والبيرسكوب، هي وعاء نستطيع من خلاله تصحيح مفاهيم وتأصيل قيم، ودفع شبه، ورد أباطيل تلصق بديننا أو بوطننا أو بمنهجنا، ونوضح للعالم الإسلامي وغيره المعنى الصحيح للوسطية الإسلامية الحنيفية السمحة..

حين يتسع الأفق - زمانًا ومكانًا - في منظور دلالات الوحيين، يشع كل حرف منها بمعانٍ دقيقة وعميقة، قد تختلف في التقاطها الأفهام، وتقصر في تفسيرها الأقلام، غير أنه لا يختلف اثنان في ضرورة تبني أهل الحق الأسلوب الأخصر والسبيل الأقصر لتوصيل أي فكرة تتعلق بتعريف العالمين بما هم عليه من دين قويم. ومنهج سليم، صورت كثيراً من جوانبه تصويرًا خاطئًا عن طريق هذه الوسائل التي منّ الله بها على الناس في العصر الحديث، وفي الوقت الذي يتسابق فيه ذوو الأفكار المختلفة حرصًا منهم على تغطية أكبر قدر ممكن من وسائل الإعلام؛ المرئية، والمسموعة، والمكتوبة، والرقمية، فإنه يحق لنا أن نعرّج ولو تلميحًا على بعض معاني «بلّغوا» من قول نبينا صلى الله عليه وآله «بلّغوا عني ولو آية» فإنه أمر لم يخص به طائفةً دون أخرى ولا زمنًا دون زمن، ولا وسيلة دون وسيلة، فكل مبلّغ ينطلق من منطلق الدخول في عموم الأمر، وعلى هذا يخوض كلّ في غماره، سعيًا في توصيل الفكرة التي يحملها ورجاء نيل الأجر المترتب على ذلك، وطمعًا في الدخول في مسمى اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم المختصين بالذكر في التنزيل (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) ولكن ما يؤسف له حقًّا أن كثيرًا ممن تجشموا عناء تحمل البلاغ في عصرنا لم يقفوا في محطات الحديث المتناسقة ترتيبًا، وأولها الأمر الجماعي الذي يجلي عنه واو الجماعة في قوله «بلّغوا» وهو ما يؤصل لاتحاد البلاغ ولو اختلفت جزئياته، وهذا يحصل بالحفاظ على اللحمة الواحدة في مسمى الإسلام حتى لا يظهر أن كل بلاغ يدعو إلى أصل مختلف عن الآخر، وهو ما لا يكون إلا بوجود مرجعية نظامية توحّد الجميع في الانطلاق، وهذا ما منّ الله به علينا في بلاد الحرمين الشريفين بوجود قيادة حكيمة ورشيدة خصصت للدعوة إلى الله وزارات ومكاتب وقنوات وصحفًا ومساجد ومدارس وجامعات، وهيأت لهذا الدعاة والمشايخ والعلماء، ورتبت الأمر كما ينبغي له أن يكون، أما المحطة الثانية في الحديث فهي في قوله صلى الله عليه وآله «عني» وهو حرف ينبئ عن واحدية المصدر، فإنه لا حق لأحد من الناس في نسبة الدعوة والبلاغ إليه، ولا لطائفة، ولا لجماعة ولا لحزب، وهذا قد مهّد له علماء الإسلام ساحته حتى نقلوا لنا الأحاديث والسيرة النبوية، وميزوا صحيحها من ضعيفها، ودونوا فقهياتها واستنباطاتها، وأصلوا لذلك الأصول والقواعد حتى لا تتشعب السبل على من بعدهم، وما أيسر البلاغ حين يؤتى من أصوله في طريق مسلوك واضح وبين، وكما لا يخفى ارتباط هذه المحطة بما قبلها، فإنه لا اتباع ولا فقه خارجان عن الجماعة والسواد الأعظم في إطار منظم وتحت قيادة ولاة أمور ونظام وقانون تنضبط فيها كل الجزئيات، أم المحطة الثالثة فقد جعلها في قوله «ولو آية» دلالة على اليسر والتيسير وعدم الكلفة وتجشم الطرح الدعوي الذي يسلك مسلك الجفاء أو الغلو، فالآية الواحدة بفصاحتها وشموليتها وبلاغتها وسهولتها تفي بالبلاغ في بابها، ولا سيما حين يتيسر ما تيسر من وسائل النقل المباشر والمحفوظ في وسائل التواصل كالقنوات الفضائية والشبكة العنكبوتية وبالأخص في اليوتيوب والتويتر والفيسبوك والبيرسكوب، فإنها وعاء نستطيع من خلاله تصحيح مفاهيم وتأصيل قيم، ودفع شبه، ورد أباطيل تلصق بديننا أو بوطننا أو بمنهجنا، ونوضح للعالم الإسلامي وغيره المعنى الصحيح للوسطية الإسلامية الحنيفية السمحة! حين نؤطرها في «واو الجماعة» ونوضحها بـ»وضوح المصدر» ونيسرها «بالعلم السهل» كما في الحديث (ولو آية!) فإن كل هذه الوسائل إن روعيت فيها الضوابط الشرعية وسلكت المسلك المستقيم فلا شك أنها داخلة دخولًا أوليًّا في قول رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم « بلّغوا» فهي وسائل العصر في إيصال الفكر. هذا، والله من وراء القصد.