كان درسا عظيما ذلك الذي قدمه الشيخ الدكتور سعود الشريم في خطبة الحرم المكي الجمعة الماضي عن تنمية السلوك الاجتماعي تجاه أحد أهم معاناته، ألا وهي ثقافة الاستهلاك من حيث القناعة الفكرية بالادخار، والسلوك الاستهلاكي للادخار، وبدأ شيخنا الفاضل كاقتصادي مطلع مدرك، وهو يشرح هذا المفهوم من منظور إسلامي تنويري فقهي، ومن جانب مجتمعي استهلاكي مفيد جدا.

الدكتور الشريم تلمس شأنا مهما في حياتنا الاجتماعية، أهملناه كثيرا من فرط انغماسنا في الحياة الاستهلاكية المتسارعة، وكأننا نسينا أن النعم لا تدوم، ومفككا مفهوم الرزق والاسترزاق بعبارات مختصرة، باستطاعة كل من استمع إليه أن يدرك معناها وما ترمي إليه، وشارحا السلوك الاستهلاكي بما يتوافق جدا مع عادات المجتمع واتجاهاته، ومدللا على أن الادخار الذي شرعه الله لنا وأخذ به رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - علامة ضبط وتوازن في الفرد والمجتمع، وهو نهج شريف بشرف انتسابه إلى شريعة الإسلام.

حين انتهت هذه الخطبة العظيمة، طفقت أتساءل بكثير من الحزن عما يتم تداوله عبر خطب الجمعة في كثير من جوامعنا في مختلف مدن المملكة، في ظل أن مهنة الخطيب فيها باتت وظيفة لا علاقة لها بتنمية السلوك، أو حتى محاكاة الواقع الحالي للمجتمع، وتوعية الناس بما يدور حولهم، بل في كثير منها تكرار لا يحبذ الناس إعادته.

وعليه، فالخطيب القادر على المواكبة، وبما يفيد الدنيا والآخرة أصبح نادراً.. فبينما كان الخطيب في سابق الزمان سلاحا توعوياً ضد كل ما هو ضار بالمجتمع، مقرباً لكل ما هو نافع، منطلقاً من إدراكه لكل ما يدور في محيطه الخارجي، متداخلاً ومتعايشاً مع مجتمعه، متمسكاً بالمعلومة الصحيحة والمصادر الخلّاقة.. أصبح كثير من الخطباء الآن يدور في فلك واحد، يصب معظمه في التهديد والوعيد والتحذير، ونادرا ما يتجاوزه، فالخُطب التي نسمعها وعبر كثير من جوامعنا كأنها تعيش في أرض أخرى، وتعايش واقعا آخر.

بعض الخطباء أصبح معنيا بالتعبير عن فكره هو، متناسياً أن يكون عنواناً للعامة والبسطاء، يناقشهم في أمور دنياهم، يبحث لهم عما يعينهم على الآفات المستشرية كالمخدرات، ويساعدهم على مواجهة الأزمات كالغلاء، يبصرهم بما يدور حولهم، كالسلوك الاستهلاكي، وهو ما تطرق له شيخنا الفاضل الدكتور الشريم، فليس من المعقول أن يكون عنوان كل خطبة التحذير والوعيد، ولا سيما أن جل من هم في حضرة الخطيب يدركون ما يقرب إلى الجنة، وما يبعد عن النار، وفي العموم هي تفاصيل يدركها الجميع، وفي تكرارها إعادة لما لا يحتاجون لإعادته؛ لأن ما نحتاجه هو خطاب يساعدنا على فهم أمور نعايشها.. وبما يتواءم مع زمننا الجاري.

الأهم في القول إن خطبة الجمعة يجب أن تعبر عن حاجة المجتمع الآنية، كما هي تعبير عن السلوك الإسلامي المطلوب تجاه أي قضية أو إشكالية.. فليس من المقبول أن يتحدث الخطيب عن شؤون يدركها ويفهمها الجميع، ويغفل عما هم بحاجة إليه، ويمس حياتهم الآنية.. نتمنى أن تكون وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مدركة لهذا الجانب المهم، في إعادة تأهيل الخطباء وفق منهج علمي خلّاق؛ لأنهم من المؤثرين في الحياة الاجتماعية، ومتى ما همشنا دورهم من خلال تركهم وعدم توجيههم أو حتى بتوخي اختيار القادرين على منح الفائدة، فإننا سنفقد منبراً مهماً في التوعية والإرشاد.