البدو يستمدون استقرارهم وقوتهم ووجودهم من دساتير يتوارثونها شفاهة جيلاً بعد جيل، في أمور الشجاعة والبسالة، وحماية السابلة، وصيانة العرض والشرف، واسترداد الحقوق، وكرامة الفرد والجماعة، وحماية الضعيف، وإكبار القوي..

كانت الأعراف القبلية في الجزيرة العربية تؤدي دوراً في عملية الضبط الاجتماعي والقيمي، إلى أن جاءت السلطة الحكومية التي لا تعترف بالأحكام والنظم العرفية، خاصة بعد مجيء الشريعة الإسلامية. فإذا كان للمكان سلطته على الفرد والجماعة، فإن للأعراف سلطتها كذلك. فالكل أمام العُرف سواء وأمام الضبط الاجتماعي والسياسي أيضاً.

فالبدو يستمدون استقرارهم وقوتهم ووجودهم من دساتير يتوارثونها شفاهة جيلاً بعد جيل، في أمور الشجاعة والبسالة، وحماية السابلة، وصيانة العرض والشرف، واسترداد الحقوق، وكرامة الفرد والجماعة، وحماية الضعيف، وإكبار القوي، حتى يصل الأمر لإعطاء الحيوان والطير والزرع والشجر والحجر حقوقا يقدرها كل رجالات القبيلة، سواء كان خارجها أم داخلها، ورغم مقتهم الضعف والاستكانة، إلا أنهم يكرهون العنف، ويستبشعون القسوة، ويرثون العفو عند المقدرة.

وفي حروبهم «ليس الهدف من الحرب القضاء على الخصم ولا استبعاده أو إذلاله، وإنما الهدف هو الاستيلاء على إبله، واحتلال مراعيه بأقل ما يكون من الخسائر في الأرواح لندرة المراعي. ويحرصون على التقيد بأصول لعبة الحرب وقوانينها، وعدم الغدر للحد من سفك الدماء، ولأجل أن يكون الانتصار مشرفاً.

لا أحد يعي مثل البدوي صعوبة الحياة في الصحراء، وتقلبات الدهر وأحوال الدنيا، لذلك لا يسكره النصر، ولا تحط من عزيمته الهزيمة. والغالب دائماً يعامل المغلوب مثل ما يحب أن يعامله لو كان هو الذي تحت رحمته. وهم يحرصون على الحسنى فيما بينهم وبين أعدائهم، كما يؤكده كاتبنا الكبير عبدالله الصويان في كتابة عن «الجزيرة العربية». وفي ضوء ما طرحناه من ذلك التاريخ الاجتماعي لأبناء الجزيرة العربية، إلا أننا نجد زحفا للمدينة، فما نراه من تدفق السكان إلى المدن سعياً وراء المدنية والتحديث في وطننا العربي بأكمله - وليس الجزيرة فحسب - يتأرجح بين الترييف والمدنية، آخذاً طوراً جديداً من ظواهر تزحف دون هوادة، فتصبغ هذا بذاك، وتبهَت الأطر.. أطر كانت ابتسامة تحمل الحب والسلام للعالم، الذي يتبدى منه ذلك السلام الداخلي في نفس البدوي فخورين بها، حيث تحدد الهوية الثقافية أو العقائدية سواء على المستوى المعماري أو المستوى السلوكي في فلسفة تتناول مجريات الحياة.

إذن؛ فالحياة القبلية فيها زخم دائم من القيم الإنسانية، فلم يكونوا متوحشين وفوضويين كما وصفهم بعض المستشرقين، وهذه القيم هي ما تقيم أود الشخصية العربية التي يقتات عليها، إذا ما زحف عليها ترف المدينة وحضارات زاحفة نحوه دون أن يقاومها.

ولهذا نتعرض في هذا المقال للأعراف القبيلة؛ لأنها الجين الأساسي لتكوين الشخصية وإن ران عليها ران، إلا أنها تنبعث حينما تُستدعى وإن تعددت الأزمنة والعصور.

ومع ذلك نجد أن هناك مجتمعات قبلية لا تنفصل عن حياة المدينة وإن استقرت في الريف أو في عمق التنظيم القبلي؛ لأن كل هذا يشكل أساس المجتمع القبلي في السعودية وغير السعودية من شبه الجزيرة العربية. فعن التنظيم القبلي يقول فؤاد إسحاق الخوري إن: «القبيلة تنظيم اجتماعي توجد فيه عدة تصنيفات معيشية في المجتمع العربي»، أما التصنيفات كالرهط والعشيرة والفخد... إلخ فتندرج تحت هذا التنظيم الاجتماعي، أما القبيلة ففي أصلها مجتمع عقائدي وسياسي وإداري وقضائي.

فكانت قديما تبدأ السلطة في النظام القبلي من مستوى شيوخ الفصائل الصغرى، التي تشكل قاعدة الهرم، مروراً بشيوخ الأفخاذ الذين يخضع لهم شيوخ الفصائل، ثم شيوخ البطون الذين يخضع لهم شيوخ الأفخاذ، ويعلو هؤلاء في المنزلة شيوخ العشائر الكبيرة، وفوق الجميع شيخ العموم، وهو شيخ القبيلة بقضها وقضيضها، وما عدا الحالات الدفاعية أو الهجومية التي تضطر فيها القبيلة للتجمع، فإن كل فصيل يتمتع بقدر كبير من الاستقلالية في الحركة وتدبير شؤونه الداخلية» كما ذكر كاتبنا سالف الذكر.

وكانت هناك مسميات لرؤساء هذه التقسيمات، مثل شيخ العموم، والقالط وهو من يترأس الفرق الصغيرة أي المتقدم، ونزال العرب قاد الحل والترحال، والعويندي الخص العادي، وشيخ الربعة همزة الوصل بينهم وبين شيخ العموم وأحياناً يسمى شباب النار، شيخ الفصيل وله السلطة الأخلاقية، يطيعونه طواعية بحكم قرابتهم له. وكان هناك أيضا شيخ الشداد، وهو المسؤول عن الحروب. هكذا كان التنظيم الاجتماعي لدى أسلافنا.

يحكم البدوي في سلوكه أمران هما: القوة والرأي العام - أو الخوف من اللوم - خلف قانون (شرف الصحراء)، ومن أهم موارد هذا القانون غير المكتوب تضامن البدوي مع رجال قبيلته، كالمشاركة في الثأر، وإذا وقع البدوي في دين مثلاً، فإنه يفقد مكانته في القبيلة لتعارض الدَّيَن مع شريعة الصحراء وكرامة الأسرة، التي هي أساس القبيلة، ومن هنا يقوم مجتمع القبيلة بصورة عامة، على نمط العلاقات الشخصية المباشرة، فنلاحظ أن هذه الروابط الاجتماعية في القبيلة تدور»حول وحدة الدم أو الولاء للقبيلة، حيث تفرض بعض الحقوق والالتزامات المتبادلة، وتعيين أنواع معينة من السلوك، وبالتالي تمارس قدراً من السيطرة على سائر أفرادها.

وبذلك فإن هذه الروابط الاجتماعية هي التي جعلت من كل قبيلة وحدة متكاملة، تخضع لشيخ القبيلة ولمجموعة العادات والتقاليد التي تمثل القانون القبلي، الذي نتجت عنه مجموعة المواصفات الأخلاقية والاجتماعية والأسرية، كما تعرف القبائل بأسماء أمرائها وشيوخها. ولذلك كان مفهوم السلطة وممارستها لدى القبائل مستمدا من تنظيماتها الاجتماعية، ومن أعرافها المتبعة.

ومن أهم شيم العربي، خاصة في شبه الجزيرة العربية «الأجارة»، والأجارة لها قوانين ودساتير يفهمها الجميع ويقدسونها «فحين يلجأ فرد من أبناء قبيلة ما إلى قبيلة أخرى إثر دم أو عِرض، أو أي مظلمة أخرى، ويسمى «دخيل الدم فتقدم له العشيرة المساعدة من مال أو جمال «إبل»، أو أي شيء يساعده على حياة كريمة بين العشيرة، بل يحمل اسم العشيرة.

وتساعده على الحصول على حقوقه. والأجارة؛ وتسمى الجيرة، وهي ليست حق الجوار، وإنما عُرفٌ قبلي يستحقه من لجأ إلى قبيلة ما، «ويطلق العرب على الجيرة مسمى (إعطاء الوجه أو ردية الشأن، وتعتبر من أبرز ما يميز المجتمعات القبلية، وهذه العادة موجودة عند قبائل العرب عامة، حيث إنها تميزهم عن غيرهم من الأمم، وتجعلهم على قمة أرقى الشعوب، لكونها عادة طيبة عرفتها لما فيها من حقن للدماء وخمود نار الفتنة، والجوار بالمعنى المعروف هو لجوء المُطالب. وذلك ما كان عليه التنظيم القبلي الذي يضمن الحماية والاستقرار، فمن كان يخترق هذا النظام ينبذ من المجتمع.