ومن يتأمّل أوضاع بعض الدول التي انخدعت بهذا الربيع المُتوهَّم يدرك فداحة الواقع وقتامة وضبابيّة المآل. لقد باتت أشباه دُوَل، تفتقر للمؤسسات العتيدة ويعوزها الانسجام والحس الوطني، دُول قابلة للانفجار عند أي استثارة..

لم يجنِ المندفعون الطوباويون من حماستهم بالربيع العربي سوى الخواء والدمار، وثبت بما لا يدع مجال للشّك أنّ من يُعوّل على أموال الأنظمة الشرّيرة الحقودة ليس سوى واهم تسيّره أحلامه الطفولية ونزعاته المريضة القاصرة.

لقد حرص نظام الملالي ونظام الحمدين استثمار كل طاقاتهم وأموالهم الحرام في جعل المنطقة تعيش في عالم عبثي، ومجتمع مجنون وهاذٍ، عالم قبيح يمجّد الدّم والحقد والعنف والإرهاب، ويمقت السلام والحُب. وقد نجح النظامان الحقودان والموتوران إلى حدّ كبير بسبب براعتهما في الخُبث والمكر وحياكة المكائد والدسائس، مُسخِّرة طاقاتها وجهدها في تفريغ حقدها المستديم بدمٍ باردٍ وروح بربرية.

ومن يتأمّل أوضاع بعض الدول التي انخدعت بهذا الربيع المُتوهَّم يدرك فداحة الواقع وقتامة وضبابيّة المآل. لقد باتت أشباه دُوَل، تفتقر للمؤسسات العتيدة ويعوزها الانسجام والحس الوطني، دُول قابلة للانفجار عند أي استثارة.

من التعاريف اللافتة لحالة الفوضى والعنف واللا دولة التي تعيشها بعض الدول الإقليمية؛ ذلك الوصف الذي أطلقه الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز حيث وصفها بـالعودة إلى «حالة الطبيعة» حيث «حرب الجميع على الجميع».

ولا يخفى على المتابع لحال تلك الدول وما تُمنى به من صراعات عرقية هدّدت - وما زالت - تهدد استقرارها السياسي وسلامها الداخلي، وتهيّئ لمواجهات ذات طابع عنفي من خلال حرب عصابات أو تطهير عرقي تؤججها دول الشّر، وفي مقدّمته نظام الملالي الذي لا يتورّع عن اقتراف حماقاته ولا يدّخر جهداً في دعم مثل هذه السلوكيات الإرهابية لأطماعه وأحلامه التوسعية وعقده وأمراضه وأحقاده على العرب منذ عقود عديدة.

من المهم واللازب أن يفطن الأفراد ودولهم قبل ذلك؛ بأنّه لا تَقِرُّ حالٌ لمجتمع، وينتظم له أمر من دون دولة قويّة: قادرة، كما يشير لذلك عبدالإله بلقزيز وأنّ افتراض مجتمع من غير دولة، أو في غفاء عن بعض من وظائفها، ضربٌ من الخيال والوهم، وتجذيف ضدّ تيار حقائق التاريخ، وأنّ الأسوأ من سوء الدولة هو اللا دولة؛ إذ ليس بعد إسقاط الدولة غير ميلاد نظام الطوائف والمذاهب والقبائل والعشائر، وانقسام الشعب الواحد إلى «شعوب» عديدة بعدد العصائب والمناطق، واصطدام هذا الخليط ببعضه مدفوعاً، كُلاًّ وأبعاضاً، بمنازع الاستيلاء والسيطرة.

ومن المهم الإشارة إلى نظامي الملالي والحمدين يعيشان ذات التمزّق والعبثية والفوضى، فإصرارهم على اتخاذ منهج العداء وإهمال شعوبها تتجرّع ويلات الشتات وضبابية المستقبل واللا استقرار والفراغ، كل هذا يشي بالتخبّط والتصدّع العلائقي بين أفراده وحالة العوز التي يعيشها والعزلة التي سببتها عبثية أنظمتها وهشاشة حضورها إن على المستوى الدولي أو الإقليمي أو المحلي.

لقد اتّفق الفلاسفة والباحثون على أهمية الدولة وأنها مؤسسة المؤسسات وتشكّل في عصرنا الراهن حجر الزاوية في كل ما يتعلّق بالسِّلم والحرّية واحترام حقوق الإنسان ومحاربة الفقر، ولذلك فإنّ الوعي بخطورة دورها يكتسي أهمية قصوى في كل استراتيجية تهدف الإصلاح أو التغيير، وهو ما يعني أنّ اختلال هذه المؤسسة «الدولة» مُفضي إلى حالة من الفوضى «الأناركية»؛ حيث لا سُلطة ولا حاكم ولا استقرار، وهذا ما لم تستوعبه أنظمة الشّر التي تعيش مأزق العزلة والنبذ وإكراهات المشاعر غير الودودة فضلاً عن مأزقها الأخلاقي وعار وشنار مواقفها المخزية التي لا تتّسق مع أبسط قيم العروبة والإسلام والجوار.

ويصدُق الحال على بعض دول الإقليم بعد حالة الوهم بما سُمِّي بالربيع العربي، حيث المآلات الغامضة لدولها، وإرهاصاتها التي تبعث على القلق المشوب بالوجل، وحالة اللا استقرار وما تستصحبه معها من تساؤلات عديدة تضعنا وجهاً لوجه أمام هذه الحالة لسيرورة الأحداث وما تولّده من توتّرات تأخذ شكلاً متطرّفاً وصراعات مختلفة لأشكال من المدّ العُنفي الذي يجبهنا بحقيقة بالغة القتامة وهي اختلال عمالنا الإنساني ومن ثم تضعضع مجتمعاتنا وتهاويها وكذا دُوَلُنا وغرقها في بحر صراعات عِرقيّة ومذهبية طائفية تُبدّد الجهود وتفكّك الجماعات وتجعلهم متمركزين حول تلك النزعات العرِقية البغيضة.