الأخلاق تشترك فيها الأديان السماوية، فالأخلاق الحسنة، والخلال الكريمة محمودة في كل دين وشريعة، مطلوبة في كل مذهب وملة، والشرائع السماوية السابقة كانت تأمر بالأخلاق الحسنة، وتحث على المساعي الحميدة، بل كانت سير أتباع الرسل السابقين عليهم الصلاة والسلام مليئة بالفضائل، زاخرة بالمكارم..

يقع بعض الناس في الحيرة عند ما يُشاهد من يُخالفه في الدين، وهو يتصرف تصرفاً نبيلاً ينمُّ عن الأخلاق السامية، ويُصنَّف ضمن التصرفات الراقية، وربما وصل به الأمر إلى أن يتطاول على أهل ديانته واصماً إياهم بما يزري بهم، كما أن الملحوظ انبهار بعض الناس بأخلاقيات بعض الشعوب المتحضرة من الوثنيين وغيرهم، فيفترض في نظره أن هناك تعارضاً بين عَمَهِ بصائر هؤلاء وذهابهم في أودية الضلال، وبين سمو أخلاقهم وحسن تعاملهم، ولما كانت هذه ثغرة خطيرة يمكن أن يتسرَّب من خلالها احتقار المجتمعات المسلمة، وتزكية المجتمعات الكافرة، ويُولجُ من ذلك الباب إلى ما هو الأدهى والأمر من النظر إلى الإسلام نظرة دونية، فلا بد من سدِّ هذه الثغرة بالحديث عن الأخلاق وشموليتها بتوضيح وذلك ضمن النقاط التالية:

أولاً: شمولية الأخلاق لجميع البشرية، فإن الله تعالى كرَّم ابن آدم وخلقه في أحسن تقويم، ومن مستلزمات التكريم الاتصاف بشيء من الأخلاق الطيبة، وبناء على ذلك فإن أي مجتمع بشري قد تجده يتمسك بخلق أو أكثر من الأخلاق الحسنة، ولقد كانت المجتمعات الجاهلية تعجُّ بالشركيات والخزعبلات، وتستشري فيها الرذائل والقبائح لكن ذلك الانحراف عن الفطرة السوية التي فطر الله عليها خلقه لم يقض على ما أودع في جبلات بعضهم من الكرم والشجاعة، والجود والبسالة، والبذل والسخاء، والحلم والوفاء، ونحو ذلك من الأخلاقيات التي نقلتها لنا كتب السير والتاريخ عن أشخاص كافرين، وأقوام ضالين، وقد جاء الإسلام والعرب على ما هم عليه من عبادة الأصنام والضلال البيِّن لكن اشتهر عنهم تشبثهم مع ذلك بكثير من محاسن الأخلاق من حماية للجار وقرى للضيف والسخاء والشجاعة والصبر والشهامة إلى غير ذلك من المبادئ النبيلة، وقد هذَّب الإسلام هذه الأخلاق، ووضع لها ضوابط وحدَّ لها حدوداً، وصفَّاها من شوائب القصور.

الأمر الثاني: الأخلاق تشترك فيها الأديان السماوية، فالأخلاق الحسنة، والخلال الكريمة محمودة في كل دين وشريعة، مطلوبة في كل مذهب وملة، والشرائع السماوية السابقة كانت تأمر بالأخلاق الحسنة، وتحث على المساعي الحميدة، بل كانت سير أتباع الرسل السابقين عليهم الصلاة والسلام مليئة بالفضائل، زاخرة بالمكارم، وهذا السرُّ في قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، ولا شك أنه قد غيَّر أهل الكتاب في دينهم وحرَّفوه، وبدَّلوا فيه، وكفروا بخاتم الأنبياء الذي أمروا باتباعه، لكن لا يخلون من التمسك ببعض بقايا الأخلاق المقررة في أصل ديانتهم.

أما المسلمون فمن تمسَّك منهم بدينه حق التمسك، وجدته حسن الخلق طيب المعشر بشوش الوجه، وإذا انضم إلى ذلك كونه مطبوعاً على الشيم الفاضلة كان إليه المنتهى في حسن التعامل ودماثة الخلق، ومن قصَّر منهم في الالتزام كان على حسب ما عنده من الديانة، وما جُلب عليه من الأخلاق، لكن يجب على المسلم أن يعلم أن المسلم المقصر الشرس أفضل من الكافر الدمث الأخلاق؛ لتحقيق الأول لأهم المهمات ألا وهو التوحيد، وتوقيه بعض الكبائر، وتمرُّغ الثاني في أوحال أدنس القبائح وهو الشرك، وعدم توقيه لشيء من الكبائر، ومن الغلط أن يتغاضى عن قبائح مجتمعات الكفار من شرك وموبقات، ويُفتنُ بحسن تعاملهم، ويتغاضى عن محاسن مجتمعات المسلمين، ويُضخِّم أخطاءهم.

ثالثاً: هذه الشمولية تتعدى جنس الإنسان لتشمل جنس الحيوان، فإن بعض الحيوانات يتصف بصفات محمودة، بل قد كان بعضها مضرب مثل في ذلك بحيث يشبه به غيره، فما زالت الشجاعة والأنفة وحماية الحمى مرتبطة باسم الأسد كلما ذكر حضرت في الأذهان، بل به يشبه الأبطال والكماة في ذلك، ومن الحيوانات ما يوصف بالصبر، ومنها ما يوصف بالوفاء كما هو معروف، وقد يتخلَّى السَّبُعُ الضاري عما جُبلَ عليه من الضراوة، فيكون وفيّاً لرائضهِ أو مُطعمهِ، متودِّداً إليه مدافعاً عنه.

فلا ينبغي مع هذا أن نستغرب أن يتصف بعض الكفار بصفات حسنة، وأن يتسموا بخلال كريمة، فهم إن لم يكونوا أهل كتاب، فهم من بني الإنسان، فإذا كنا لا نستغرب حصول الحيوان على صفات حسنة كالوفاء والصبر، ونحو ذلك، فالإنسان الـمكرم من باب أولى وأحرى.