الراغب في فهم الطبيعة السعودية يدرك جيداً أن السعودية ترحب بكل من يعتذر عن أخطائه، وتلتزم بمواقفها الحازمة تجاه كل من يحاول أن يمس القيم والتقاليد الراسخة في السياسات السعودية.

تبقى السعودية في العرف السياسي الدولي حليفا مهما لكثير من دول العالم بما فيها الدول الكبرى وغير الكبرى، ويشكل فقدان صداقة السعودية والعلاقة معها خسارة كبرى لها تأثيرات مباشرة في الآخرين، ولعل السبب في ذلك واضح بشكل دقيق، انطلاقا من الدور السعودي المحلي والإقليمي والدولي، فالسعودية وفق المنطق التاريخي دولة عظيمة في مكانتها السياسية والإسلامية وتأثيراتها الاقتصادية على جميع المستويات، ومن هذه المكانة بنت السياسة السعوددية نموذجها المستقل في العلاقات الدولية: فكيف يمكن فهم المسار السياسي السعودي في علاقاتها الدولية..؟

بيئة العلاقات الدولية ليست تنافسية أو عدائية، خاصة إذا تم فهم الأدوار المشتركة بين الدول في إطار قيم الأخلاق والعلاقات التكاملية، فالدول في تساوٍ نسبي دائم من حيث تأثيرتاها في بعضها بعضا، وتحكمها مشتركات تتوازن فيها معايير القوى لكل دولة من الدول، ولا يمكن في العصر الحديث أن يتم تقييم الدول بحسب قوتها العسكرية، فمعايير القوة والتأثير أصبحت مختلفة، والقوة لم تعد مرتبطة بالمعايير التقليدية، فالدول تمتلك اليوم تأثيراتها في بعضها بعضا وفق قيم متناثرة في المكانة السياسية والاقتصادية والفكرية والعقدية، وهذا ما يميز دول القرن الحادي والعشرين، الذي أسهم في إسقاط كثير من نظريات العلاقات الدولية، التي تعتمد القوة المطلقة كمعيار للتأثير بين الدول.

المملكة تنطلق في علاقاتها الدولية من استعدادها الطبيعي للميل نحو الأفعال الخيرة والفاضلة، ولكن هذا يحدث وفق مسار قيمي في السياسة السعودية، يقوم على ضرورة الفهم المتبادل للحدود الخاصة والحدود المشتركة في العلاقات الدولية. السعودية منذ نشأتها ترسخ وباستمرار قاعدة سياسية واضحة «لا نتدخل في شؤون الآخرين، لذلك على الآخرين ألا يتدخلوا في شؤوننا»، وهذه القاعدة السياسية التي تنطلق من الفطرة الطبيعية للدول شكلت قواعد السياسة السعودية، وأن من يرتكب خطأ في فهم هذه القاعدة فعليه أن يجثو على ركبتيه أمام الحق، ويعتذر عن تجاوزه هذه القواعد في علاقاته مع السعودية، وهذا ما قامت به كثير من الدول التي ارتكبت خطأ في فهم علاقاتها مع المملكة.

السياسة السعودية متيقظة جدا إلى درجة كبيرة في ألا تفسر أعمالها أو قراراتها السياسية أنها تدخل في شأن الآخرين، وهذه اليقظة تبرز بشكل واضح عندما تقوم دولة أخرى بالتعبير عن مفاهيمها السياسية بطرق يتم فهمها أنها تدخل في شؤون السعودية الداخلية. السعودية كما يقول التاريخ دولة قوية يحتاجها حلفاؤها، وهذا موقع طبيعي للمملكة، والمتتبع للتاريخ السعودي يدرك أن كل الدول التي حاولت أن تختبر القيم السعودية السياسية أدركت أن السعودية رسمت نهجا واضحا وحازما لمفاهيم علاقاتها الدولية.

السياسة السعودية عبر التاريخ أثبتت أنها مستعدة لسماع صوت الجميع في إطار سياسي واضح، فهنا الكثير الذي تقوله الدول بعضها لبعض في إطار تشاركي من العلاقات، محكوم بقيم فاعلة، تتميز بها كل دولة على حدة. العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين ضيقت الفروق بين الدول من حيث معايير القوة التقليدية، فكثير من الدول أصبحت تمتلك مقومات قوتها من أبعاد تاريخية وسياسية واقتصادية ونماذج قيمية وأخلاقية، ميزت شخصية تلك الدول. السعودية دولة مؤثرة في السياق الدولي، ومكانتها تتصاعد تدريجيا، وتتفهم مكانتها العالمية بشكل دقيق، لذلك تأتي التصرفات السعودية مرتبطة بفهم عميق لنفسها ودورها الريادي.

في قضية اعتذار ألمانيا، وترحيبها بعودة العلاقات مع السعودية، كانت هناك تجربة حية حول مفهوم السعودية لطبيعة علاقاتها الدولية، والاعتذار الذي تقدمت به ألمانيا حول ما أصاب العلاقات السعودية من فتور هو تفسير واضح أن المملكة تستخدم قيمها التاريخية الراسخة في رفض أي محاولة هدفها تجاوز الحدود المشتركة في علاقات الدول، خاصة عندما يرتبط الأمر بشأن داخلي سعودي.

السعودية بلد منفتح على جميع دول العالم، ويؤمن بالحوار والتفاهم والعلاقات السليمة، في سبيل خدمة السلم العالمي بكل أركانه، والراغب في فهم الطبيعة السعودية يدرك جيدا أن السعودية ترحب بكل من يعتذر عن أخطائه، وتلتزم بمواقفها الحازمة تجاه كل من يحاول أن يمس القيم والتقاليد الراسخة في السياسات السعودية. ما أقدمت عليه ألمانيا لا يشكل انتصارا إعلاميا كما يحاول الكثير تفسيره، بل هو انتصار للقيم، وترسيخ وتقوية لتلك القيم السياسية، التي ميزت السعودية، وسيعود آخرون للاعتذار للسعودية كما فعلت ألمانيا وغيرها؛ لأن الثبات على القيم ميزة لا يستطيع القيام بها إلا تلك الدول الراسخة في عمق التاريخ وصناعته.