يخطئ بعض من يكتبون عن السعودية الجديدة في ضوء نمطية السياسة العربية التقليدية التي اعتمدت ردحاً من الزمن على تناقضات خطابين مزدوجين للداخل والخارج، وهذا النمط من الخطاب العربي المزدوج كان وسيلة امتطاها الانقلابيون وبعض صنائع القوى الاستعمارية في البلدان العربية التي رزحت عقوداً طويلة تحت الاحتلال الغربي بكل أصنافه.

وقد تمثلت التناقضات السياسة العربية بوضوح في قضية فلسطين ثم مهرجانات المزايدات العروبية على العروبة ومن يقود العرب ويواجه القوى الكبرى، وبكل أسف حين تكشفت الأوراق وأسفر التاريخ عن حجم المأساة وجدنا أن منظري القومية ورافعي شعارات فلسطين هم أول من باع واشترى وحالف الأعداء، وكم كشفت الأوراق من قصص وأسرار ومن ذلك ما انكشف هذه الأيام حول العراق وهي في حرب السنوات الثماني مع إيران كانت تواجه أيضاً دولاً عربية «قومجية» كانت تدعم الدولة الفارسية، نعم كان حافظ الأسد و»القومي الأعظم» معمر القذافي يمدان نظام الملالي بالصواريخ الباليستية لتضرب بها طهران عاصمة الفرس عمق بغداد العاصمة العربية التاريخية، وكان الإنتاج الفكري لبعض عرب الشمال وتابعيهم يظهر حافظ الأسد في صورة الزعيم الأوحد وإمام القوميين البعثيين ويظهر القذافي وهو يلفلف عمامته على أنه وريث عبدالناصر وسادن القومية العربية، ولما ظهرت المذكرات السياسية والوثائق عرفنا الصورة الحقيقية لحافظ والقذافي وبقية الصنائع «الثورجية».

ولأن بعض الصغار لا يقرؤون التاريخ جيداً وهو ما تجلى بهذا الحال المحزن في قطر من استيراد بليد لبقايا الرجس السياسي من أنقاض القومية والأممية والشعبوية بحثاً عن مجد في السراب، لم يدرك هؤلاء أن الرقص والتعري السياسي بات مكشوفاً على مسرح الافتضاح في عصر المعلومات حتى لو اشتريت المرتزقة واستأجرت الضمائر، ومن هنا رأينا كيف سقطت قناة الجزيرة في وحل الانكشاف بعد زوال البرقع الصفيق في سوق الصفاقة.

ومع كل هذه التقلبات بقيت بلادي على خط التوازن والاعتدال في كل مراحلها تسير على ذات المبدأ من الدفاع عن الحقوق الشرعية ونصرة قضية فلسطين والتوسط لوأد كل فتنة في بلاد العرب والمسلمين، وفي قضية فلسطين تحديداً ثبت الخطاب السعودي متسقاً مع مطالب الشعب الفلسطيني داعماً صادقاً لمبادراتهم في كل حال مضحياً بمصالحه في بعض الأحيان لصيانة المبدأ في دولة تأسست على نبل المبادئ.

واليوم وبعد أن كشفت الأزمات عن الأصدقاء والأعداء والمتلونين بقي الخطاب السياسي السعودي صادقاً مع ذاته منسجماً مع مبادئه سواء مع الشقيق الشقي في قطر أو الأحمق المراوغ في كندا أو حتى من ظن في ألمانيا أن المملكة ورقة سياسية، ثمار المبدأ جعلت كندا تقف على كل ناصية سياسية تبحث عن ابتسامة رضا سعودية، وها هي ألمانيا تبادر بحسن النية، أما حكومة قطر التي ورثت كل سوء عربي في السياسة فلن تجد في عمامة الملالي إلا المزيد من الذل والمهانة، وقريباً جداً ستجد الدوحة نفسها مضطرة لكرسي الاعتراف والندم لأن كل ما تفعله لا يغير موقعها ولا يكبّر حجمها ولا يمكن أن يأتي «المجد» لأمير أو إمارة وهو يدخل ويخرج من باب الفتنة والخيانة.

  • قال ومضى:

نعم سيمنحك التاريخ صفحةً عنوانها (من النماذج الرديئة).