لقد مرّ على البشرية كثير من المشاهير المبدعين كانت ومازالت أسماؤهم محفورة في ذاكرة الجماهير، وتعدى الأمر إلى جعل تلك الشخصيات ترافق كثيرًا من مدارس الأرض على اختلاف الشعوب، فقد طبع في أذهان الإنسانية: أديسون، وألبرت أينشتاين، ونيوتن، وغيرهم..

ليس كل أحد يتفكر في الماضي غير من عايشه واقعًا أو درايةً، وليس المقام هنا مقام مقارنة بين الماضي والحاضر، فحاضر اليوم هو ماضي الغد، ولكل وقت سلبياته وإيجابياته، ولا أعني الماضي بالجملة، فهناك الأزمنة المفضلة التي أشار إليها نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.

ولا إشارة لي هنا؛ لا تصريحًا ولا تلميحًا عن المسلك التديني الذي تُفاضل بِهِ الأزمنة مفاضلة إلاهية، ولكني سألفت نظر القارئ الكريم إلى المفاضلة بين أدوات الماضي والحاضر التي استعان بها مشاهير كل زمن لنفع الإنسانية بإبداعاتهم، على اختلاف ألسنتهم وأعراقهم ودياناتهم، وهو الأمر الذي يقف عنده المتأمل تعجّبًا، كيف استطاع أولئك اختراق حدود الإمكانات إلى قلوب الجماهير وعقولهم دون أي إطارات «رقمية» تيسر لهم الوصول إلى الآخرين؟!.

لقد مرّ على البشرية كثير من المشاهير المبدعين كانت ومازالت أسماؤهم محفورة في ذاكرة الجماهير، وتعدى الأمر إلى جعل تلك الشخصيات ترافق كثيرًا من مدارس الأرض على اختلاف الشعوب، فقد طبع في أذهان الإنسانية: أديسون، وألبرت أينشتاين، ونيوتن، وغيرهم كثير ممن لم يكن يتجشم مسالك الشهرة، غير أن إبداعاتهم أخذتهم إلى سواحل الشهرة حين لامست إبداعاتهم حاجة الإنسانية، وليس الكلام عن سوء استخدام ما أبدعوه فذلك شأن آخر، ولا يقتصر هذا على أمثال هؤلاء أيضًا فهناك من العرب والمسلمين من تعدت أسماؤهم حواجز الكتم، بغض النظر عمّا قيل فيهم من أخطاء في معتقد أو انحراف في سلوك، فليس المجال هنا لمناقشة هذا، ولكن لنتأمل كيف حظيت أسماؤهم وإبداعاتهم بتلك الشهرة الواسعة دون كثير عناء في طلبها، وعودٌ بنا إلى ما قبل بضعة عقود نجد تلك الحالة مازالت سارية، لكن ليس في صورة أبي العتاهية، ولا المتنبي، ولا أبي تمام، الذين فتحت لهم آذان الخلق وأفكارهم بغير أدوات غير تلك النسمات الإبداعية والحكم المحفوظة، ناهيك عن أولئك الذين سطرت أسماؤهم في صفحات التاريخ بمختلف مجهوداتهم الفردية أو الجماعية، ولست ضاربًا عنهم صفحًا، وإنما أريد التذكير بقريب الماضي الذي كانت فيه المجتمعات - وبالأخص العربية - أقل صخبًا وأكثر تماسكًا، وأبين في بروز العواطف والأحاسيس بين الأفراد والأسر والشعوب!

وليس أهل الإبداع والشهرة آنذاك بمنأى عن صناعة تلك المجتمعات الهادئة والمحافظة فقد كانت الدراما - مثلاً - تكتسح المجتمعات العربية بقصص هادفة ومعالجات لكثير من متغيرات الحياة، ونال كثير من صناعها الشهرة والعالمية على قلة الأدوات بل انعدامها في كثير من الأحيان، ومع ذلك كان الهدف المقصود من الإبداع هو معالجة إشكاليات الحياة، حتى فيما يراه كثير من الفقهاء محرمًا كالغناء، دون النظر إلى تحقيق المسألة فقهيًا هنا، إلا أن الأمر يتعدى ذلك تمامًا، فكثير من جماهير هذا المسلك يجدون الفرق واضحًا بين الحاضر والماضي في توظيف مشاهير هذا الطريق شهرتهم كرسالة تعالج بها أخلاقيات الشباب ومشاعرهم، ولا تصنع فيهم الصخب والانزعاج الروحي الذي نلمسه في وجوه كثير من الشباب في عصرنا الحاضر.

وليس الأمر أن تمتلك أدوات الشهرة فقد كانت غير ميسرة في أزمنة تخطى مشاهيرها الأرقام القياسية في كل شيء، حتى في الرياضة أيضًا فنجد الفرق واضحًا بين أندية ونجوم ما قبل الرقميات وما بعدها، فالشهرة وحدها ليست غاية الإنسان الذي يحمل في صدره رسالة النفع والإمتاع وتآلف المجتمع، وإن كانت من أبرز المعينات على تحقيق المراد من النفع، والتعليم، بل غايته تحقيق إبداعه وتنمية مهاراته، وإعمال فكره، والحفاظ على أخلاقيات المجتمعات من محبة وتواد وصفاء، وأحياناً كثيرة في التيسير على البشرية بما يفتح الله على الموهوب من مواهب ذهنية، وأفكار عبقرية، نلمسها اليوم ونعيشها، وننعم بآثارها ونتائجها، وكثيراً ما كان الموهوب ينأى بالمواهب التي تلامس قلوب الجماهير عن الابتذال المادي، والاستغلال البشع، ولهذا صرنا نبحر في ضفاف هذه النعم التي تيسرت على أناس لم يكن لهم متابعون بالآلاف، بله أن يكون متابعوهم بالملايين، ولكن شتان بين أولئك وهؤلاء. هذا، والله من وراء القصد.