لم أرغب في الكتابة عن اليوم الوطني خلال أسبوعه، بل آثرت أن أقرأ الوجوه ومن ثم آخذ من التعابير ما أريد.. في المجمل قد يكون السبب أنني لا أحب النظر إلى الخلف.. وقد يقول قائل: ولكن يوم الوطن يتغنى بالماضي الجميل، ويعيش ألقه، ويدعو بالمغفرة لمن قاموا عليه وأسسوه ودعموا بنيانه، ولا نختلف في ذلك؛ لأن كلنا ذلك الرجل.. فقط أريد شيئا مختلفا بعدما أطلقت بلادنا ومنذ نحو عشر سنوات فقط المواطن الذي بداخلنا؛ لنعبر عن أفراحنا كيفما نريد، وبلا شك وفق إطار العقل واحترام المجتمع والآخرين.

أريد الآن أن أقرأ المشاعر وهي تتدفق باندفاع كبير وسط ترانيم جميلة، يشدو بها الطفل، ويرددها الكهل، ولا تتخلى عن إطلاقها المرأة في أي مرحلة عمرية هي.. أريد أن أقرأها لأكتب حكاية الحب الذي أُغلقت عليه الأبواب؛ لكي أنطلق منه ببنية سردية تستحقه.. أشدد على ذلك رغم أني غير بارع في الكتابة عن المشاعر، رغم أنها قد أعطت لحياتي بعدا رائعا أتحسس دفأه داخل صدري.

أريد أن أكتب عن الحاضر، ولا يعني أن هناك صدمة عالقة مع الماضي، أحب أن تُبصر الكتابة المشاعر.. لا أن تكون جوفاء تعتمد على السرد وما تم تناقله من قبل عن آباء وأجداد لنا قد فرحوا في زمن مضى.. أستقي المعاني من طفل توشح بالأخضر، ومن فتاة أرادت أن تطل برأسها من سيارة والدها لتكون قريبة من راية التوحيد الخضراء التي تلوح بها.

بصراحة حينما تكتب عن الفرحة العارمة والتغني بالوطن بكل ذرات الجسد فلأنك قد اكتشفت كثيرا مما حدث قبل 88 عاما مضت.. اكتشفتها من تلك الابتسامات والأفراح والتلاقي السعيد بين القيادة والشعب.. سأقرأ كل هذه الوجوه المستبشرة في جميع أنحاء بلادي كي يكون لدي رصيد من المعاني والعبارات الجميلة.. أريد أن أتذكر من أسسوه وأقاموا بنيانه، وهنا تكون الكتابة امتيازا ومتعة، وسأكون أكثر سعادة بما أكتبه.. وستكون حياةً مهنية أكثر تشويقًا، أكثر اتساعًا، سأرسمها على الحاضر.. وهذا لا يعني أنني لا أحب الماضي.

تتقافز الأسئلة أمام عيني.. لماذا بتنا ننبش موضوع الوطنية الآن؟ وكيف أصبحنا نتغنى بحنانه، وندعوا له بالأمان والاستقرار؟ وهل كنّا لا نفعل ذلك في السابق؟!.. الحقيقة التي لا مفر منها أننا استلقينا على جنوبنا بارتخاء عجيب، وإن نهضنا فلأجل أن نتصارع على الأيديولوجيات وكل التوافه التي غيبت المفهوم العظيم الذي بداخلنا عن حبنا لوطننا.. حتى أفقنا على سوء حالنا؛ لنجد أننا أهمل بعضنا بعضا، ونسينا أغنية وطننا.. لكن نحمد الله أنها لم ترحل، بل بقيت وعادت أكثر نشوة وطربا، نشاهد أبناءنا الآن كيف يحبون هذا الوطن، وكيف يعيشونه في احتفاليته واحتفاليتهم.

نحتاج إلى الاحتفال بيوم الوطن، ونحتاج إلى تعليم أبنائنا من جديد أن يضعوا هذا الوطن في أفئدتهم وداخل قلوبهم.. نعيد لهم ما كان عليه أباؤنا وأجدادنا من تضحية وولاء مطلق لهذا الوطن، نرسخه في عقولهم .. نسقيهم حبه زلالاً صافياً حلو المذاق، ولا نكتفي بذلك، بل نحاول أن نقفز بهم بعيداً عن سلبياتنا، نحن من نسمى كهول الوقت الحالي.

الأهم في القول أنني سأخبرهم أن ما نحتفل به هو تاريخ أمة ومسيرة بطل، مسيرة الملك المؤسس عبدالعزيز، الذي حوّل الشتات إلى وحدة، والخوف إلى استقرار وأمن، سأخبرهم كيف كان الوطن قبل ذلك اليوم المشهود، وكيف هو بعده.. وسأقول لهم إن من لا يقشعر بدنه حين سماع نشيده والأهازيج التي تتغنى به.. فلا يستحق أن يعيش على أرضه.