الحوار واحتضان الموضوع في أضيق الحدود؛ لأنها تعلم من هو الساعي الدؤوب وراء تفشي هذه الأمور، فتقطيع أواصر الأمم والشعوب والدول بات المعول الرئيس للعملاء والخونة والمدلسين..

لم تكن المملكة العربية السعودية معنية بالتدخل في شؤون أي دولة مهما بلغت من الحب أو الكراهية، فهي كما أسسها - المغفور له بإذن الله - الملك عبدالعزيز دولة تسعى إلى الحب والإخاء والشراكة والتعاون والسلام، كما أوصى بذلك مؤسسها - طيب الله ثراه - بنيه من بعده.

هكذا عهدناها، وهكذا كان نبراسها في مسيرة أبناء عبدالعزيز وأحفاده في تقدير وطاعة وصية جعلت منهم سواعد فعالة في بناء وتقدم وإعانة عديد من الدول، شاء من شاء، وأبى من أبى. خلاف لم يدم سوى سويعات بقياس الزمن الحضاري بين المملكة العربية السعودية وجمهورية ألمانيا الاتحادية، وكعادة المملكة التي لا تسيء لأحد، ولا تتدخل في شؤون الآخرين، إلا أنها لا ولن تقبل أي إساءة - مهما بلغت - للدولة وللوطن وللمواطن بصفة عامة وللإسلام بصفة خاصة.

ونحن نعلم عمق العلاقات الممتدة في عمق الزمن بين الدولتين، ونعلم حجم الشراكة والتعاضد على المستويين السياسي والاقتصاي، وكنا على ثقة كبيرة بأن هذا الخلاف لن يدوم، رغم أن المستفيدين من هذا الخلاف كانوا ينفخون في الكير رغبة وطمعا في إفساد تلك العلاقة العتيقة، ولا نستبعد أنهم من سعى ودبر لذلك الأمر، فهم دؤوبون على فعل الشر كما أسماهم أحد القادة العرب بأهل الشر!

تعتذر ألمانيا للمملكة وتبدي أسفها وندمها على تأخر الحوار واحتضان الموضوع في أضيق الحدود؛ لأنها تعلم من هو الساعي الدؤوب وراء تفشي هذه الأمور، فتقطيع أواصر الأمم والشعوب والدول بات المعول الرئيس للعملاء والخونة والمدلسين.

وقد جاء الاعتذار ليس مجرد بيان فحسب، وإنما كانت دلالاته تفصح عن حب وإخاء ومودة؛ وذلك لأنهم يعلمون حقيقة الدولة السعودية ونقاء سريرتها، وكذلك يعلمون مكانتها وقوتها في الميزان العالمي الحديث، ويعرفون تماما ذلك العمق البعيد للعلاقات بين هذين البلدين.

حينما يتحدث وزير الخارجية الألمانية هايكو ماس عن تناقص العلاقات بين البلدين في الأشهر الماضية، فإنما يتحدث بنبرة حب وإخاء واضحين مشوبين بالندم، وأسماها «سوء تفاهم» فيقول: «كان ينبغي لنا أن نكون أكثر وضوحاً في اتصالاتنا وحوارنا، من أجل تفادي سوء التفاهم بين ألمانيا والمملكة». ولم يكتف بوصفها علاقات دولية فحسب، وإنما أسماها «علاقاتنا القوية والاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية» وتبعها على الفور بقوله «نحن نأسف بصدق لهذا».

منتهى الحب والتقدير أبداه ماس لدولة كبيرة هو يعلم حجمها في السلم وفي الحرب، ويعلم قدرها في قلوب المسلمين في كل أرجاء بلاد الله الواسعة! كما أكدت المملكة أن لها ولألمانيا دورا كبيرا ومهما في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، إضافة إلى دورهما الرئيس في الاقتصاد العالمي.

ولم تكن العلاقات بين المملكة وألمانيا حديثة العهد، بل هي عميقة وقديمة جدا، ترجع في بذرتها الأولى إلى فترة تأسيس المملكة وما قام به الملك عبدالعزيز حيال ذلك، خاصة في ثلاثينات القرن الماضي (1932-1939)، التي قد فرغ فيها من توطيد أركان الدولة، واتجه إلى العلاقات العربية والعالمية. فلم تكن العلاقة مع ألمانيا كأي دولة أخرى، حيث وُقعت حينها معاهدة الصداقة بين البلدين، حينما أرسل وزير خارجية ألمانيا خطابا إلى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل يقول فيه: «إن ألمانيا حريصة على إقامة علاقات دبلوماسية مع السعودية، ووافق الملك عبدالعزيز وأرسل مفوضه الدبلوماسي فوزان السابق بإنجاز تلك المعاهدة، وتمت معاهدة الصداقة بين ألمانيا والمملكة العربية السعودية في القاهرة عام (1929)، التي تضمنت اعتراف ألمانيا ذات النفوذ الواسع في أوروبا والعالم بالمملكة، وكان الهدف الأساس من هذه المعاهدة حماية تجار البلدين ونشاطاتهم التجارية، واحترام بضاعة ومنتجات الطرفين؛ كما أنها تضمنت فتح قنصليات لكلا البلدين في بندها الثاني، وبهذه المعاهدة أصبحتا صديقتين منذ ذلك التاريخ.

ثم توالت بعد ذلك ومن دون انقطاع العلاقات الدبلوماسية والتجارية، حتى تمت المفاوضات على تزويد المملكة بالأسلحة المتطورة حينها. وللمعاهدات التجارية شأن آخر في بداية العهد السعودي، حيث كانت ألمانيا من أولى الدول التي افتتحت شركات لها في المملكة، مثل شركة (آغي) للدهانات (G.A Farben.) عام 1929، كما افتتحت شركة بينز للمرسيدس مصنعا لها في جدة عام 1937، وبذلك فتحت الأسوق السعودية حينها أبوابها للترويج للسلع الألمانية آنذاك.

وكانت هذه العلاقات التجارية هي الضاغط على ألمانيا للاعتراف بالمملكة حتى قررت الحكومة الألمانية أن تسير في هذا الاتجاه رسميا، وكان أول قنصل ألماني بجدة (هاينريش دو هاس) عام 1931، وكذلك كانت ألمانيا من أوائل الدول التي زودت المملكة بالأسحة رغم العلاقات القوية مع إنجلترا حين ذاك.

تلك هي المملكة العربية السعودية، وتلك هي مكانتها، وتلك هي علاقاتها مع كل دول العالم منذ تأسيسها على دعائم الحب والخير والسلام.