الدفاع عن الوطن أشكال متعددة، منها: الالتفاف حول قيادته، والسمع والطاعة لحكامه، واحترام قيمه ومبادئه وأخلاقه ووسطيته، والبعد عن اعتناق فتات الأفكار الهدامة التي يروجها المفسدون..

من عدل ديننا الحنيف حسن تنظيمه الحقوق، بحيث إذا أوجب على طرف حقاً لطرف، أوجب على هذا حقاً للأول إما حالاً كأغلب الحقوق، وإما مآلاً، كما أوجب على الوالدين حق تربية الولد وتغذيته في صغره، ولكنه في المآل أوجب على الولد حقوقاً جمة للوالدين، وهذا معروف، وإنما يضرب مثلاً لتجلية عظم الحقوق الوطنية المنوطة بالمواطن؛ وذلك أن المواطن له حقوق وطنية بدأ يتقاضاها منذ الولادة، وإذا نشأ سعى وراء تحصيلها جزئية جزئية، ولا يألو جهداً في ذلك، وحتى لو لم تكتمل له لسبب من الأسباب، فلا أحد ينازعه في استحقاقه لها، والدولة مستمرة في توفيرها بوتيرة متسارعة، وفي المقابل على المواطن حقوق كثيرة للوطن متنوعة متعددة المجالات، يتفاوت الناس في مراعاتها، وتشمل تلك الحقوق جميع مناحي الحياة، فإن الفرد لا يخطو في الاتجاه الصحيح إلا كان ذلك خدمة لوطنه، وأداء لبعض حقوق المواطنة؛ لأنه يكون بذلك لبنة صلبة في هذا البناء العملاق، والعكس بالعكس، فكل انحراف أو تقصير يحصل من الفرد فإنه يتضمن ظلماً للوطن الذي احتضنه، وتربى بخيراته حتى كبر، وإذا كانت الواجبات الوطنية من الشمول كما ذكر، فإن أهمها الدفاع عن الوطن؛ لأن المحاماة عن الحمى أهم مقومات الحياة، ومن السنن الكونية أن من أهمل الحيطة والحذر كان نهبة للمخربين.

والدفاع عن الوطن أشكال متعددة، منها: الالتفاف حول قيادته، والسمع والطاعة لحكامه، واحترام قيمه ومبادئه وأخلاقه ووسطيته، والبعد عن اعتناق فتات الأفكار الهدامة التي يروجها المفسدون، فإن من شأنها إحداث الشروخ في المجتمع، وبلبلة أفكاره، وزعزعة استقراره، ومن أشكال الدفاع عن الوطن التصدي الحازم لأعدائه، والمتربصين به في وسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، وفضح نواياهم، والدرء في نحورهم، وعدم إتاحة الفرصة لهم لتشويه صورة الوطن البراقة.

وأهم أنواع الدفاع عن الوطن ما استأثرت به القطاعات العسكرية والأمنية، فهناك وزارة الدفاع بجميع قطاعاتها: القوات المسلحة، والقوات البرية، والقوات الجوية، والقوات البحرية، وقوات الدفاع الجوي، وقوات الصواريخ الاستراتجية، والخدمات الطبية، وهناك وزارة الحرس الوطني، وهناك حرس الحدود، وهناك الإدارة العامة للمجاهدين، وجهود الجميع ماثلة للعيان لا تخطئها إلا عين المتعامي، ولا ينكرها إلا المتغابي، فهم بحق قوَّامون بواجبهم على أتم الوجوه وأحسنها، وأقومها وأكملها، كلٌّ فيما يخصه، وعلى قدر المسؤولية المنوطة به، فهنيئاً لكل هذه القطاعات بتلك الخصوصية النبيلة التي بوأتهم أسمى قمم الوطنية، وهنيئاً لهم أن ندبتهم المملكة لينالوا شرف المحاماة عنها، ويدفعوا عنها عادية الأعداء، وكل هذه القطاعات تشكل صفاً واحداً، ومنظومة واحدة، وتقف جبلاً شامخاً دون الوطن العزيز، وهم بحق أحق من يُفتخر به، ويشاد بعمله وفعله، ولا سيما رجال الحد الجنوبي الذين انتدبوا إلى مهمتهم العظيمة، وتوافدوا للمرابطة بهذا الثغر المهم، وقد قدموا أرواحهم فداءً للدين العظيم، والوطن العزيز، وإنا نرى على أرض الواقع أروع الأمثلة على هذا، فما أؤلئك الشهداء الذين يسقطون بين الفينة والأخرى إلا دليل ساطع وبرهان واضح على أن للدار من يحميها بعد الله، ويرخص لأجلها النفس قبل المال، لسان حال أحدهم:

أجود بالنفس إن ضنَّ الجوادُ بها

والجودُ بالنفس أقصى غاية الجود

وأيضاً:

أنا الذائدُ الحامي الذمارَ وإنّما

يُدافع عنْ أحسابِهمْ أنا أو مثلي

ختاماً؛ أهمس في آذان هؤلاء الأبطال قائلاً: احمدوا الله أن وفقكم لهذه الوقفة المجيدة، واعلموا أنكم على طاعة عظيمة فاحتسبوا أجرها، واستحضروا أن من تقفون في نحورهم أعداء لدينكم ووطنكم وللإنسانية، ولو واتتهم الفرصة لعاثوا في أرض الله مفسدين يهدمون المساجد، ويروعون الآمنين، ويقتلون المعصومين، وهم في ذلك مطية لرافضيٍّ خبيث لا يستمتع بمتعة من الدنيا ألذ من سفك دم السنيّ، وانتهاك عرضه، فقفوا هنالكم حصناً حصيناً للوطن حتى يولوا أذلة مدحورين، وتنعم أعيننا باستقبالكم منصورين مأجورين مشكورين، اللهم انصرهم نصراً مؤزرا، وافتح لهم فتحاً قريباً عاجلاً يا رب العالمين.