لعلي أستعير عنوان أهم كتب المفكر الراحل جمال حمدان، (عبقرية المكان) حيث كان يرى أن التاريخ هو من صنع الجغرافيا.. أولاً ضع الخريطة أمامك، ثم تحدث عن التاريخ والسياسة، وعند الحديث عن المملكة وأنت تضع خريطة المملكة المترامية الأطراف ستدرك كفاح ذلك العبقري العظيم، عبدالعزيز بن عبدالرحمن.

جميعنا يعلم سنوات الكفاح التي امتدت إلى ثلاثين عاماً، حتى استطاع - رحمه الله - توحيد البلاد على أساس دولة فيها الأمن والقانون، فأكرم خصومه ولم ينتقم من أحد، كان سمو أخلاقه كسمو عبقريته التي تنبأت منذ البداية بأفول نجم الامبراطورية العثمانية

  • الذي تحقق بعد ذلك -، وبعد عقود ثلاثة، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية أدرك قبل كثيرين تغيرات جديدة، وهي أن القوة العظمى القادمة هي الولايات المتحدة بفارق كبير مع الأسد البريطاني العجوز، وفرنسا التي أنهكها احتلال هتلر، لم يعش - رحمه الله - ليرى صدق رؤيته حيث أمرت الولايات المتحدة فرنسا وبريطانيا وإسرائيل بإيقاف العدوان على مصر في العام 1956، كانت تلك لحظة الحقيقة التي صدمت العالم بشكله الجديد، وكانت الشرارة التي جعلت جميع المستعمرات تطالب بالاستقلال وقيام جمهورية خامسة في فرنسا، حتى إسرائيل انصدمت بهذه الحقيقة التي لم ترها، بأن الولايات المتحدة هي القطب العالمي الجديد.

رأى المؤسس ذلك قبل الجميع بعد الحرب العالمية، ورأى أن الولايات المتحدة يمكن أن تكون حليفاً بخلاف السوفيت، لذلك حرص على بناء علاقات سعودية - أميركية، وسافر إلى مصر والتقى التشرتشل، وبعده روزفلت في العام 1946، وفي العام 1952 سقط النظام الملكي في مصر وجاء ضباط الثورة برئاسة نجيب - لم يكن ناصر بينهم - إلى المملكة لأداء فريضة الحج التقى بهم المؤسس فرداً فرداً ثم قال: قائد الثورة الحقيقي ليس بينهم.. وبعد أشهر قام عبدالناصر بعزل نجيب.

وبعد التوحيد حرص المؤسس أن يبعد المملكة عن أي صراع سياسي يمكن أن يجرها لصراع عسكري يستنزفها، وبرغم قلة الموارد عزز مجهوداته لتحقيق تنمية داخلية وتعليمية ولم يسمح لأي قوة أن تفرض التعصب الديني، بل واجه التدخلات المتعصبة دينياً بحزم، وترك رسالة السلام والتنمية أمانة يتداولها أبناؤه في حب شعبه الذي لن ينساه، جاءت ثورات الخمسينات والستينات وجاء الربيع العربي منذ سنوات والمملكة شامخة وقوية بقيادتها وشعبها، واليوم أكثر الناس معرفة بفكر الملك عبدالعزيز هو الملك المثقف سلمان بن عبدالعزيز الذي يسير نحو المستقبل ومعه عضده الأيمن سمو ولي عهده - حفظهما الله - لتحقيق طموحاتنا ورؤية الغد ومسيرة عطاء لا تتوقف تحمل السلام والتنمية.. رحم الله المؤسس، وحفظ الله قيادتنا ووطننا الغالي.