الاحتفال بيومنا الوطني يجعلنا نفخر بذلك التلاحم الكبير بين القيادة والمجتمع في المملكة، حيث بني هذا التلاحم وفق قواعد مجتمعية وثقافية لم تصنع حديثاً؛ بل شكل هذا التلاحم عنواناً لدولة يقترب عمرها اليوم من ثلاثة قرون..

في سياق التاريخ والتطورات التي شهدتها المملكة خلال ما يقارب من تسعة عقود مضت من عمرها خلال القرن العشرين، تبرز تلك العلاقة الأكثر صلابة في تاريخ علاقات الحكام بالمجتمع، والمتمثلة في ارتباط وثيق وتجانس واندماج مميز تشكله تلك العلاقة بين مؤسسة الحكم والمجتمع في المملكة، فمؤسسة الحكم في المملكة هي جزء أساس من مكون المجتمع السعودي، ولا أعتقد أنه يوجد اليوم مؤسسة حكم تحظى بذلك الاندماج الأسري والقرابي والثقافي الكبير بينها وبين المجتمع كما هي مؤسسة الحكم في المملكة.

الكثير من الباحثين والمهتمين في التاريخ السعودي تبهرهم تلك العلاقة الأفقية والنمط الرأسي المميز من علاقات مؤسسة الحكم في المملكة مع المجتمع، والتي شكلت في الواقع مصدراً مهماً من مصادر القوة والثبات في المجتمع، العلاقة المتينة بين مؤسسة الحكم في المملكة والمجتمع ليست انتقائية أو محصورة في فئات مجتمعية بعينها، فعلى سبيل المثال شكلت مؤسسة الحكم في المملكة قواعد ثابتة لكيفية تلك العلاقة مع المجتمع السعودي، وعبر تاريخ الأسرة المالكة في المملكة هناك آليات للتواصل بين أفراد المجتمع ومؤسسة الحكم في إطار اجتماعي فريد يتعين على كل من يرغب في فهم المملكة أن يتتبعه.

المتابع للشأن السعودي خلال العقود التسعة الماضية يلاحظ أن تعزيز البنية والاتصال الاجتماعي الرأسي والأفقي كان أحد أهم قواعد الحكم في المملكة، فكانت ومازالت مجالس الحكام في المملكة مفتوحة بشكل تنفرد به مؤسسة الحكم في المملكة، فمنذ عهد الملك عبدالعزيز –رحمه الله- إلى اليوم يستطيع جميع الأفراد في المملكة الوصول إلى تلك المجالس والفوز بحوار مباشر مع الملك أو ولي العهد، وهذا يطرح سؤالاً اجتماعياً مهماً حول دور تلك المجالس وأثرها في فهم علاقة مؤسسة الحكم في المملكة بالمجتمع، حيث يوجد فيها كم هائل من الأفراد تشكل جميع أطياف المجتمع وتنوعه.

اليوم ونحن نفخر بذكرى يومنا الوطني الـ 88 نشهد تلك الصورة الكبرى لكل ملوك المملكة الذين نعرفهم وسجلتهم الصور، وكتبت عنهم الأخبار، كيف يتوافد الأفراد على تلك المجالس في مشهد اجتماعي الهدف منه التأكيد أن علاقة اجتماعية وأسرية تربط مؤسسة الحكم بكل فرد في المجتمع، فآلاف الأشخاص يذهبون إلى تلك المجالس للسلام وترسيخ تلك العلاقة بين المواطن، والحاكم عبر إحساس داخلي دقيق أن الجميع هم كل متجانس يواجهون نفس الخيارات ونفس التحديات، ويبنون نفس العلاقات الأكثر دقة، وهذا ما يؤكده الترابط العائلي الذي يجمع الأفراد في مؤسسة الحكم مع الطيف الكبير في المجتمع من خلال علاقات زواجية وقرابية دقيقة لم تقتصر على جزء بعينه من بقاع المملكة.

لقد أتيحت لي فرصة كبرى في مرحلة عملية من مراحل حياتي أن أشهد بعضاً من تلك الأمثلة التي تفسّر تلك العلاقة الممتدة والمتداخلة في جميع الأطراف المجتمعية مع مؤسسة الحكم، والتي شكلت ارتباطاً عاطفياً وثيقاً وأسرياً مميزاً بين مؤسسة الحكم وبين مجتمع المملكة، كما سجل التاريخ أمثلة كبرى للدور الذي لعبته علاقة مؤسسة الحكم بالمجتمع في تشكيل التجانس الفكري والثقافي، والتلاحم الوطني الذي تشهده المملكة اليوم، ويعبر عنه الجميع من خلال اتفاق الجميع في المجتمع بأن مؤسسة الحكم في المملكة تشكّل صمام الأمان للاستقرار والمستقبل، وهذا شعور تتوارثه أجيال المملكة لأن التجربة في هذه العلاقة متأصلة، ولأن الأهداف ظلت مشتركة، والتصورات هي ذاتها بين طرفي العملية الوطنية.

اليوم.. ونحن نمر بهذه الذكرى الغالية والاحتفال بيومنا الوطني نفخر بذلك التلاحم الكبير بين القيادة والمجتمع في المملكة، حيث بني هذا التلاحم وفق قواعد مجتمعية وثقافية لم تصنع حديثاً بل شكل هذا التلاحم عنواناً لدولة يقترب عمرها اليوم من ثلاثة قرون، المملكة اليوم بنموذجها السياسي دولة بنت مجتمعها وفق قواعد سياسية وثقافية أكثر رسوخاً في السياق التاريخي البشري.

تضعنا مؤشرات تكوين المملكة أمام قواعد تاريخية تؤكد أن هذا الوطن أصبح بفضل الله جزءاً من مسيرة التاريخ والاستقرار، فهذا النموذج القائم في علاقة ثابتة ومستقرة بين مؤسسة الحكم والمجتمع منح التاريخ قواعد الاستقرار، وهذا ما أثبته التاريخ بكل دقة، فكل أولئك الذين حاولوا أن يختبروا تلك العلاقة بين المجتمع ومؤسسة الحكم في المملكة العربية السعودية انهارت تخيلاتهم أمام صلابة هذه العلاقة، وعمقها وتفوقها التاريخي.