هكذا دخلت لبيبة التاريخ كامرأة تبحث عن الحُرية والنهضة لوطنها، ثم انتهت مسيرتها باختراقها دون شعور وإدراك منها، لكن لا خروج من التاريخ، فالتاريخ ليس كالحياة تُولد وتدخل فيها ثم تخرُج منها ميتاً مُحاطاً بدموع البعض من مُحبيك والكثير من دموع التماسيح..

الدخول إلى الحياة، ليس كالخروج منها، فعندما تُولد، تُولد بريئاً ولن تموت بكامل قُدسيتك وبراءتك كما كُنت طِفلاً، كذلك يجب عليك أن تُفرِّق بين السيوف فليست جميعها صُنعت للنصر إذ إن بعضها صُنِع للاستعراض فقط وليست لخوض معركة، فرِّق يا صديقي كي لا تُخذل من السيف الذي ظننته لن يخذلك يوماً من الأيام، كما تُخذل الروح عندما يهرُب من عاهدها على الدوام بالبقاء، ثم أي عهد؟ عهد المشاركة بالظروف مهما احتدم العِراك.. يــا لهُ من عهد بائس، مُخادِع!

كسيف احتفظت به طويلاً وحينما بدأت أولى معاركي، ظننتهُ سيفاً، فإذا بهِ خُرده صُنعت للاستعراض.

ثم إني غالباً ما كُنت أتفكّر بالأحداث كيف يُصيغها الله بكل حبكة ودقة مُتناهية؛ بين مخلوقاته. أتعجّب لماذا الأحداث تتشابه؟ لماذا الأخطاء تتكرر! ولا أصل لنتيجة منطقية سوى أن البشر لا يتعلّمون بالنصيحة بقدر التجربة.. عفواً.. بقدر الصفعة، بقدر الخيبة!

لذلك يُقال دائماً إن التاريخ يُعيد نفسه، لكن أرى أن التاريخ لا يُعيد نفسه بل المرء لا يتعلم سوى من التجربة الشخصية ونستطيع أن نقيس ذلك على مجتمع، شعب، دولة! فالدول أحياناً تُريد أن تستمد النور من أبنائها فقط! بينما نورهم لا يعكُس سوى أقدارهم وتجاربهم داخل أسوار المدينة، فالنور الفعّال هو الذي يعكس أحداث وتجارب التاريخ من شتى بقاع الأرض؛ لنستلهم منه بعضاً من الحقائق لصياغة الحاضر.

ونحن كعرب أقل الأُمم استفادةً من التاريخ؛ فكم من أناس خذلوا وكانت نتائج ما أرادوه عكسية، ومن أولئك الثائرة لبيبة أحمد، فبعد اندلاع الثورة المصرية ضد الاستعمار الإنجليزي لمصر إبان الحرب العالمية الأولى عام 1919م، كانت من بين هذه المسيرات الثورية امرأة تُريد أن تدخل التاريخ كمُناضلة عن حقوق المرأة والتي تنحصر حول أحقية المرأة المصرية في ممارسة حقها سياسياً، عوضاً عن ذلك حقوق المرأة في الخروج من منزلها متى ما أرادت، إذ إنه كان محظورًا عليها الخروج من منزلها إلا للضرورة القصوى حينها.

أسست لبيبة أحمد «جمعية النهضة للسيدات المصريات» وكانت من أكثر النساء قدرةً على التأثير فقد جمعت نحو 300 امرأة في الثورة، ثم في العام 1921م أسست جريدة النهضة المصرية، ولِم لا؟ فقد كانت تمتلك موهبة الكتابة المؤثرة في السياسة والدين منذ أن كانت شابة وهي تكتُب في الصُحف باسم مستعار، وكانت هي القوة القائدة للنساء وقتها، وقامت بالعديد من الزيارات مع وفد من الجمعية إلى مدارس واستقبلت الكثير من حفلات التخرج، بعد اندلاع الثورة إلى أن اتسعت شعبيتها.

وكان العام 1933م بمثابة علامة فارقة في حياة المدافعة عن المرأة وتعليمها وعملها ونهضتها وحُريتها؛ حينما استقطبها مؤسس جماعة الإخوان «حسن البنا» وكلّفها بمنصب رئاسة جماعة «الأخوات المسلمات» في القاهرة، بإشراف البنا مباشرة. وكان البنا قد وُفِّق باختياره للبيبة إذ إنها كانت في عز حماستها لنهضة المرأة وتنميتها في الوطن، وكانت تمتلك قلماً مُقنعاً ومؤثراً. وهكذا أصبحت لبيبة تُلقِّن أفكار جماعة الإخوان المسلمين للنساء وتنشر أفكار التيار دون أن تعي أنها قد اُختُرِقت، بصمت!

وشيئًا فشيئًا تمكنت لبيبة من إحداث طفرة في عدد لجان الأخوات؛ إذ وصلت 50 لجنة قبل حلِّها في العام 1948م كما استمرت في العمل التنظيمي حتى بلوغها سن السبعين، ثم حسب المصادر المؤكدة أنها آثرت الاعتكاف في أواخر عمرها، وأقامت في المملكة سنوات عدة، قبل وفاتها العام 1955م.

والجدير بالذكر أن «جماعة الأخوات» استمرت في التأسيس والتجنيد السري للنساء ما يُقارب 60 عاماً، حتى خرجن للنور بعد ثورة 25 يناير العام 2011م، حين قرر التنظيم أن تخرج المرأة.

وهكذا اخترق التنظيم «لبيبة» والتي من خلالها تم اختراق الآلاف من النساء حتى خارج حدود مصر، ويبدو أن البنا مُختلِس ذكي وبارع في سرقة آمال الغير وتوظيفها في مشروعه، فكان غالباً ما يروّج أن الجماعة تسعى لإتاحة الفُرصة للمرأة المصرية؛ للمشاركة في ميادين العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهكذا حتى تم استغلال كامل طاقتها نحو هدفٍ انحرف مساره عن الخير وتنمية البُلدان العربية بشكل عام.

هكذا دخلت لبيبة التاريخ كامرأة تبحث عن الحُرية والنهضة لوطنها، ثم انتهت مسيرتها باختراقها دون شعور وإدراك منها، لكن لا خروج من التاريخ، فالتاريخ ليس كالحياة تُولد وتدخُل فيها ثم تخرُج منها ميتاً مُحاطاً بدموع البعض من مُحبيك والكثير من دموع التماسيح، إنما التاريخ سجل الحياة، الذي لا ينطوي ولا يُطوى إلى يوم يبعثون. لذلك يجب أن نتعلّم من هذا الاختراق كيف دُبِّر بعناية فائقة وباختيارات صائبة وكيف نجح باختراق دول بالجناحين الآسيوي والأفريقي؛ لنعكس تيّار هذا الاختراق الذي قادنا إلى عصر مفصلي مليء بالثورات، حيث رائحة الموت والبارُود، حيث الشتات، ونخترِقهُ بالاستقرار، حيثُ الحياة، حيثُ النجاة!