من غير المجادل فيه أن الشاعر نزار قباني كان صاحب فتح كبير في تطويع لغة القصيدة ورقتها وسلاستها، حيث عمل على صفائها وتنقيتها من كل الشوائب والأغبرة والعوالق الخشنة.. فأصبحت لغة مائية ناصعة سهلة حتى صار يفهمها ابن المدرسة ورجل الشارع، إذ إنه حول القصيدة كما يقول «إلى خبز يومي يأكله كل الناس»، والواقع أنك حين تدخل ديوان نزار قباني الشعري فكأنك تدخل بستاناً مليئاً بالزهور والطيور ومختلف أنواع الثمار، وهذا هو فن الشعر الرفيع، أما إذا تحولت القصيدة إلى طلاسم، وألغاز، وتعميات، وتعقيدات، توجع عقل وقلب المتلقي، فكأنك تمشي على أرض مليئة بالأشواك والحجارة والسبخ.. والمتلقي لا يرغب في قصيدة الحجارة والأشواك وإنما قصيدة البحر، والريح، ورائحة الورد والياسمين، وإذا كانت قصائد نزار تتسم بالرفاهية والترف الجمالي فإنها لا تخلو من العذابات، والمواجع، ورائحة الأحزان.. شأنه شأن كل مبدع كبير، يتأذى من كل أنواع القسوة والجور الإنساني.. ولكن نزاراً لا يخلو من الخُيلاء و»الأنا» حتى في قصائده الوطنية، فكأن الوطن متمحورٌ في ذاته:

كَمْ أُعاني ممّا كتبتُ عذاباً 

وَيُعاني في شَرقِنا الشُرفاءُ

فهو يصرفك إلى الانطباع بأنه الإنسان الشرقي الوحيد!! والأنا هذه تظهر بجلاء في معظم قصائده الوطنية كقوله:

«مرحباً يا عراق جئت أغنيك»… أو في قصيدة أخرى «أنا العاشق الدمشقي..» 

ومثل هذا كثير.. وهذه ليست نرجسية عند نزار وإنما هي خميرته وفطرته التلقائية، فهو يتعامل مع الوطن كما يتعامل مع معشوقته، انظر إليه كيف يخاطب دمشق.. 

حبيبتي أنـتِ... فاستلقي كأغنيـةٍ

على ذراعي، ولا تستوضحي السببا

أنتِ النساءُ جميعاً.. ما من امـرأةٍ

أحببتُ بعدك..ِ إلا خلتُها كـذبا

بينما نجد الأمر مختلفاً تماماً عند الفيتوري، فهو أحد الشعراء الكبار الذين عزفوا ألواناً على وتر اللغة، وأعطوها بعداً جمالياً، وإيقاعاً إنسانياً مختلفاً، وغمسوا كلماتها بالحزن الكامد لتتغلغل في صميم المعاناة، ضد الظلم والجور الذي يعاني منه الإنسان وبالذات الإنسان الأفريقي.. يظهر ذلك جلياً في ديوانه:

«أغاني أفريقيا» القارة التي عانت من الاستعمار، ليس استعمار الرجل الغربي الأبيض للأرض فحسب..! وإنما استعماره للإنسان أيضاً.. حيث ملايين الأفارقة يصطادهم تجّار العبيد لتنقلهم السفن إلى ما وراء البحار ثم يباعون هنالك كالبهائم.. كأسوأ تجارة عرفها التاريخ البشري.. لذا نجده يصرخ محتجاً في مواءمة بين الإنسان الأفريقي والخيول النبيلة:

أيها السائق

رفقا بالخيول المتعبة!

قف..

فقد أدمى حديد السرج لحم الرقبة

قف..

فإن الدرب في ناظرة الخيل اشتبه

 أو كقوله:

جبهةٌ العبد، ونعلُ السيّد ..

وأنينُ الأسودِ المضطهدِ ..

تلك مأساةُ قرونٍ غَبَرت ..

لم أعد أقبلها لم أعد ..  

هذان نموذجان جميلان لشاعرين كبيرين، أحدهما يرى أن الوطن حالٌ فيه، والآخر يرى أنه طينة من تراب الوطن…