(إن هذا أعطى بعداً آخر لاقتصاد المعرفة المبني على الفكر البشري، ومن وجهة نظر أخرى تشكل الثروة الحقيقية في الفترة المعاصرة، حيث تحولت من معرفة فردية إلى كفاءات جماعية تحقق لها مصادر التفوق والتميز..

إن معيار التقدم الذي تنهجه الدول الكبرى والمعاصرة يقوم على علم جديد وهو (علم اقتصاد المعرفة) وهو ما يسمى بـ (علم اقتصاد ما بعد الصناعي) بعد عصر الثورة الصناعية خلال القرن التاسع عشر. وهي ثورة كان لها الأثر البالغ على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية سواء في أوروبا أو خارجها آن ذاك.

ولذا أصبح عصرنا هذا هو عصر الثورة المعرفية وهو ما يشكّل العمود الفقري لاقتصاد الدول ونهضتها؛ وهذا ما يعني أن المعرفة تشكل مكوناً أساسياً من مكونات الإنتاج وفي التسويق والاقتصاد والمبني على الثورة الاتصالية بشكل غير مسبوق، والتي تتجاوز ما حققه العالم في ثورته الصناعية إن جاز التعبير..!

إن تسارع إيقاع العصر بصورة مذهلة جعلت مضاعفات الزمن صخرة كبيرة في سبيل التحدي المعرفي بالنسبة لنا. فالتطور أو التحول المعرفي الذي أولاه العالم المتقدم لأفراده منذ بداية تسعينيات القرن المنصرم كان هو العمل الإستراتيجي لهذا التقدم الذي نلحظه اليوم، ونحن لاهثون للحاق به..!

وإذا ما آمنا بأننا قد أصبحنا نحيا في قرية كونية صغيرة، فعلينا النظر في ذواتنا لتطوير هذه الثروة المعرفية التي نقتات على شذراتها. ولمَ لا؟ ونحن بحمد الله قد تجاوزنا حدود المكان عبر زمن منفلت نبذر ذواتنا في كل بقاع الأرض بفضل الله وبحمده، وبفضل ما تبذله الدولة من انفتاح معرفي على العالم سواء كان ذلك بفعل البعثات أو الرحلات، أو الدراسات أو الاطلاع أو الإلمام باللغات وغير ذلك كثير! وللاستفادة من كل هذا وذاك وجب على مؤسساتنا وأفرادنا ترسيخ عدد من النقاط وأهمها:-

أولاً: الاهتمام بالتفكير. فبناء موهبة التفكير لدينا يحتاج إلى مهارة وتعلم وتطوير؛ فهي لا تتأتى إلا بالتخلص من ثقافة النقل والتي تجذرت فينا وأسسها تعليم عقيم منذ ما يربو على الأربعين عاماً؛ حيث أتت ثقافة النقل على العقل فألغت طاقاته ووظائفه إن جاز التعبير!

ثانياً: وضع مهام الإبداع والمبدعين والابتكار في المنبر الأول من منابر الخطاب المعرفي، وفي كل مفصل من مفاصل المهام الفردية والجماعية والتي توكل إلى أي منا، وذلك هو ما أسسته المدرسة اليابانبة على سبيل المثال، حتى أظهرت قدرة عالية على المنافسة والتميُّز، حيث استثمرت تلك الطاقة الإبداعية لدى العامل الياباني حتى بات الإبداع غير حكر على الأدباء والمفكرين!

ثالثاً: الولاء والانتماء.. فإذا ما تحقق فينا العنصران السابقان بدون ولاء ولا انتماء فكما يقول المثل السائد (نحرث في البحر)! فالولاء والانتماء هما الركيزة الأولى للحرث في البر لنبت مثمر. ومن ثم كان لابد من اجتثاث جذور الفساد المترهل فينا وتفشي الأنوية والذاتية والمصالح الشخصة والسرقة في السر وفي العلن؛ وقد بات واضحاً ما تقوم به الدولة من تطهير لجذور تعتقت فينا لسنوات عملت على تراجعنا عن الركب الحضاري العالمي!

رابعاً: العمل الجماعي.. فالعمل الجماعي هو الركيزة الكبرى لاقتصاد المعرفة والتي تقوم عليه الدول المعاصرة؛ ومما لا شك فيه أن التربية المتأصلة فينا هي تربية الأنا وتضخمها؛ فتربية التفوق الفردي أضحت كارثة كبرى في عالم لم يعد يعترف بالتفوق الفردي؛ فهي حقيقة تربية مدمرة للشعوب في هذا العصر؛ ولم يكن هذا مجرد رأي، وإنما نتاج دراسة أجريناها على عينة مشاركات المتسابقين في جائزة باديب للهوية الوطنية والتي شارك فيها ما يربو على 1200 متسابق من كل الوطن العربي ومن عرب المهجر في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية؛ حيث ظهرت الأعمال الفردية هي السائدة أمام تضاؤل العمل الفردي، مما ينبىء بسيادة الأنا والفردية وندرة الأعمال الجماعية وعدم قدرة تفوق الجماعة على الفرد، وقد طرحنا هذه الإشكالية المهمة للدارسين وللمؤسسات؛ فالرغبة في إزاحة الآخر أصبحت مشكلة نلحظها في مؤسساتنا وكل مناشط الحياة اعتقاداً منا أنه مسلك من مسالك النجاح والتفوق على الآخر، والذي زرعه فينا البيت قبل المدرسة.

إن ثقافة البطل الفرد لم تعد مجدية في هذا العصر، بل تعمل على تآكل البنية المؤسساتية والاقتصادية وإلى تآكل الطاقات الإبداعية وتؤدي إلى الإحباط والكراهية؛ إنها ثقافة الهدم لكل شيء!. تقول إحدى الدراسات في العمل الجماعي «بتصرف»: (إن هذا أعطى بعداً آخر لاقتصاد المعرفة المبني على الفكر البشري، ومن وجهة نظر أخرى تشكل الثروة الحقيقية في الفترة المعاصرة، حيث تحولت من معرفة فردية إلى كفاءات جماعية تحقق لها مصادر التفوق والتميز، فالكفاءات اليوم تجاوزت مستوى الفرد إلى مستوى الكفاءة الجماعية والتي تمثّل الوجه الآخر لاقتصاد المعرفة)..

وفي ضوء هذا التقدم المعرفي والحضاري العالمي- والذي يجب وبلا شك أن نكون من لبناته - وجب علينا كأفراد وكإداريين وكأصحاب قرار الانتباه إلى تلك الثروة المهدرة لدينا والعمل على تطوير المفاهيم، وتطوير التفكير في شتى مؤسساتنا وأحيائنا وفي حاراتنا وفي فصول مدارسنا؛ فلا نهضة حقيقية ولا تقدم بلا إصلاح العقول، وتصحيح المفاهيم وتربية الوجدان بما يتلاءم مع الفكر العالمي السائد، وأعتقد أنه المفصل المفقود والرابط بين ما نراه من اهتمام بالبنى الاقتصادية والتعليمية وحتى الترفيهية. فتربية الوجدان بحسب المفهوم العالمي تظل عنا غائبة إلى حد كبير في ظل العلم الجديد «علم اقتصاد المعرفة»!