لم تكن أهداف مؤسسة سلطان بن عبدالعزيز الإنسانية ذات بعد واحد، بل كانت تغطي مساحات واسعة من الأعمال والمبادرات الإنسانية التي تتصل بالجوانب العلمية والثقافية والفكرية في الجامعات والأكاديميات العلمية والتي صبغت الحياة الإنسانية بالطابع الثقافي والحضاري..

عندما نقف على واقع المؤسسات الإنسانية في المجتمع السعودي يتبين لنا أن كثيرًا من تلك المؤسسات تحمل طابعًا عصريًا اجتماعيًا وحضاريًا وإنسانيًا.

وفي هذه القراءة نحاول النفاذ إلى تلك المؤسسات الممتلئة بمبادئ الإنسانية والمشعة بروح الإحسان والكرم وكانت ذا تفاعل إنساني مع مختلف الجوانب والأصعدة الاجتماعية والصحية والثقافية والنفسية والتكافلية والتعليمية والإغاثية والتربوية، محققة بذلك وحدة اجتماعية إنسانية متكاملة وبالذات تلك المؤسسات الإنسانية التي وضعت أنظارها على أهداف إنسانية حضارية، وتلاقت فيها الإنسانية مع الحاجات في أصدق صورها، وهو ما اتصفت به مؤسسة سلطان بن عبدالعزيز الإنسانية.

والمؤسسة ليست وليدة اليوم أو الأمس القريب كما يتبادر إلى الأذهان، بل تعود إلى ما يقرب من نصف قرن، ولذلك فإن تحديد اللحظة الزمنية التي ينطلق فيها العمل الإنساني عند بناء الكيانات الإنسانية ليس دقيقًا كما يزعم بعض المؤرخين الاجتماعيين، بل إن الفعل الإنساني يسبق الكيانات الرسمية بسنوات بعيدة، لذلك فإن تاريخ مؤسسة سلطان بن عبدالعزيز الإنسانية بدأ مع سلطان بن عبدالعزيز قبل تشكل الكيان المؤسسي، وفي ذلك يقول الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله - في معرض حديثه عن شخصية الأمير سلطان بن عبدالعزيز الإنسانية: إن الأمير سلطان بطبعه.. مؤسسة خيرية بذاته، وصاحب خير، ويسعى إلى الخير..

كنت في زيارة لشخصية لازمت الأمير سلطان بن عبدالعزيز بعض الوقت، وجاء الحديث عن إنسانية سلطان بن عبدالعزيز.

قالت تلك الشخصية: إن إنسانية سلطان بن عبدالعزيز من نوع نادر، كان ذلك الوقت لم يبلغ العاشرة من عمره، وكان يظهر اهتمامًا شخصيًا إنسانيًا بمن يقابل.

لم تكن أهداف مؤسسة سلطان بن عبدالعزيز الإنسانية ذات بعد واحد، بل كانت تغطي مساحات واسعة من الأعمال الإنسانية، وإن كنت سوف أقصر حديثي على المبادرات الإنسانية التي تتصل بالجوانب العلمية والثقافية والفكرية في الجامعات والأكاديميات العلمية، والتي صبغت الحياة الإنسانية بالطابع الثقافي والحضاري.

أولى تلك المبادرات الفريدة الموسوعة العربية العالمية، فقد بقيت المكتبة العربية تعاني لزمن بعيد من حاجتها الملحة إلى موسوعة عربية شاملة كالموسوعات الأجنبية «دائرة المعارف العالمية» و»دائرة المعارف البريطانية» أو غيرها من الموسوعات العالمية إلى أن جاءت مبادرة مؤسسة سلطان بن عبدالعزيز في تمويل ورعاية الموسوعة العربية العالمية.

يقول د. أحمد شويخات المشرف على الموسوعة العربية العالمية: يمكن القول إنه ما كان لهذا المشروع أن يظهر لولا دعم وتبني الأمير سلطان بن عبدالعزيز سواء من الناحية المادية أو من الناحية المعنوية، فقد كان مؤمنًا بالفكرة سابقًا إلى تنفيذها منذ البداية، فهو بلا مبالغة الرجل الأول في هذا المشروع، وقد تكرم بوضع ثقله ومكانته العالمية لإنجازه.

الموسوعة كانت حلمًا من أحلام رواد الثقافية العربية على مدى أكثر من مئة عام، بدأها بطرس البستاني الذي انطلق بشكل فردي وأخذ على عاتقه إنتاج موسوعة شاملة كبرى، ولكن عملًا كهذا كان يتطلب مشاركة جادة لعشرات بل مئات المتخصصين من مختلف المعارف، بالإضافة إلى تكوين فريق عمل ذي خبرة واسعة في تقنيات التحرير والإنتاج.

واليوم لا يوجد على الساحة العربية والإسلامية عمل موسوعي مماثل أو منافس للموسوعة العربية العالمية من حيث الحجم والمضامين والمنهج والمواصفات الفنية.

وثانية تلك المبادرات الإنسانية برنامج الدراسات العربية الإسلامية في جامعة بيركلي بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأميركية، ففي نوفمبر من العام 1998م أقيم في جامعة بيركلي بولاية كاليفورنيا احتفال كبير بمناسبة افتتاح برنامج الأمير سلطان بن عبدالعزيز للدراسات العربية والإسلامية.

وأثناء الاحتفال تسلم مدير الجامعة د. بيردال منحة بمبلغ خمسة ملايين دولار من مؤسسة سلطان بن عبدالعزيز الإنسانية لدعم البرنامج في مركز دراسات الشرق الأوسط.

وقد عبر د. بيردال عن شكره وتقديره للأمير سلطان بن عبدالعزيز على هذا الدعم قائلًا: إن هذه المنحة تؤكد على علاقة الصداقة التاريخية بن جامعة بريكلي والجامعات والمؤسسات التعليمية والتربوية في المملكة العربية السعودية، كما أنها تعزز المهمة والرسالة الأكاديمية والخدمة العامة الممتازة التي تقدمها الجامعة، وأن هذا الدعم سيمكن الجامعة من توسيع مركز دراسات الشرق الأوسط.

ومركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة بريكلي يعد واحدًا من أبرز 13 مركزًا من نوعه في أهم 13 جامعة أميركية منها جامعة هارفارد وجامعة جورجتاون.

وثالثة تلك المبادرات البيئية، فقد تنبهت مؤسسة سلطان بن عبدالعزيز الإنسانية منذ وقت مبكر إلى التحديات التي تواجه البيئة، فأطلقت برامج التوعية الشاملة في الأيام البيئية العالمية: اليوم العالمي للبيئة، ويوم البيئة العربي، ويوم الأرض العالمي، ويوم البيئة الخليجي، واليوم العالمي لحماية طبقة الأوزون، واليوم العالمي للتنوع الأحيائي.

ولم تتوقف حركة التوعية عند تلك الأيام العالمية وإنما انطلقت ندوات وحلقات ودورات ومهرجانات ومؤتمرات للتوعية بالبيئة.

المشروع إحدى مبادرات لجنة التوازن الاقتصادي ومصلحة الأرصاد وحماية البيئة، وهو أول مشروع بيئي ينظم في منطقة الشرق الأوسط للتوعية البيئية.

ومن بين تلك المبادرات الإنسانية التي نهضت بها مؤسسة سلطان بن عبدالعزيز الخيرية الدراسة البحثية لمرض الخرف، فقد تبنت مؤسسة سلطان بن عبدالعزيز الإنسانية تمويل مشروع بحث مرض الخرف في المملكة، انتشاره والخصائص المرتبطة به، وهي مبادرة قدمت لعشرات الناس الذين يعانون من الخرف أملًا جديدًا.

البحث يعد الأول من نوعه من حيث تحديد حجم ظاهرة الخرف والمشكلات الصحية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجه كبار السن والعلاقة بين المشكلات التي يعاني منها المسنون.

ومن بين تلك المبادرات الإنسانية تمويل برامج التربية الخاصة للمعوقين والموهوبين بجامعة الخليج العربي بمملكة البحرين، والمسمى برنامج مؤسسة سلطان بن عبدالعزيز للتربية الخاصة.

وكان قد عبر د. عبدالله الرفاعي رئيس جامعة الخليج العربي عن الدعم الذي حظيت به الجامعة قائلًا: إنه لرمز حضاري باعث على الأمل وحافز على العمل أن تلتقي مؤسستان من مؤسسات التعليم والبحث والخدمات العلمية والإنسانية في خليجنا العربي، وهما مؤسسة سلطان بن عبدالعزيز الخيرية وجامعة الخليج العربي، لتؤكدا على مبدأ التعاون العلمي بين المؤسستين الشقيقتين في مجال التربية الخاصة ورعاية المعوقين في إطار البرنامج التخصصي الذي تقدمه الجامعة ضمن برامجها في كلية الدراسات العليا.