لم يلتحق بمدرسة رسمية إلا في سن الحادية عشرة بسبب تعرضه لإصابة خطيرة في جسمه جرّاء سقوطه من سور مرتفع على رصيف حجري، وكان الأكبر بين أحد عشر ابناً لقس فقير، واضطر في طفولته للقيام بالكثير من الأعمال الشاقة لمساعدة أسرته، ولكنه وبعد أربعة عقود فقط من دخوله لأول حجرة دراسية متواضعة في مدرسة الكنيسة في بلدة ريازان الروسية دخل إيفان بافلوف إلى عالم المجد والشهرة والخلود كأول روسي يحصل على جائزة نوبل في الطب لعام 1904م.

يُعد الطبيب وعالم النفس الروسي الشهير إيفان بافلوف أحد أعظم العلماء المتخصصين في علم وظائف الأعضاء «الفسيولوجيا»، والمؤسس الحقيقي للدراسات التجريبية والموضوعية للنشاط العصبي للإنسان والحيوان، وصاحب النظرية الشهيرة «الاستجابة الشرطية» التي تربط السلوك الإنساني بالجملة العصبية.

ولد إيفان بافلوف في بلدة ريازان في روسيا الوسطى في عام 1849م، وكان والده بيتر بافلوف قساً للبلدة وأمه فافارا إيفانوفنا ربة بيت كرّست كل حياتها لتربية أبنائها.

أنهى إيفان تعليمه العام بتفوق وتميز، فأرسله والده إلى معهد ديني ليكون قساً مثله، ولكنه كان ميالاً وشغوفاً لدراسة العلوم فترك المعهد والتحق في عام 1870م بجامعة سان بطرسبرغ الشهيرة، ودرس فيها الكيمياء وعلم وظائف الأعضاء، وحصل على شهادة في العلوم الطبيعية في عام 1875م، ثم التحق بالأكاديمية الطبية الملكية والتي عُيّن فيها في عام 1890م أستاذاً لعلم الصيدلة ثم رئيساً لقسم دراسة علم وظائف الأعضاء، ثم بدأ بنشر أبحاثه ودراساته حول الإفرازات الهضمية والدورة الدموية والسلوك الإنساني والحيواني والعديد من الموضوعات المتعلقة بالأنماط السلوكية والعصبية والنفسية، واشتهرت أبحاثه ونظرياته.

وفي عام 1881م، تزوج إيفان من سيرافيما كارشيفسكايا وهي معلمة وعاشا سنواتهما الأولى في فقر ومعاناة ولم يكن لهما منزل خاص حيث كانا يضطران للسكن منفصلين، ولكن أحوالهما تحسنت بعد ذلك ورزقا بخمسة أطفال.

لقد استطاع إيفان بافلوف خلال متابعاته ودراساته وتجاربه التي امتدت لأكثر من ستة عقود للكثير من الظواهر العصبية والنفسية للإنسان والحيوان أن يضع العديد من النظريات المهمة حول تكييف وربط السلوك الإنساني بالإستجابة الشرطية واللا شرطية والتي أصبحت المنهج العلمي والتجريبي الذي مازال يُمارس حتى الآن في المعاهد والمختبرات والمراكز العلمية المرموقة.

نال إيفان بافلوف الكثير من الجوائز والألقاب والأوسمة أهمها على الإطلاق جائزة نوبل في الطب لعام 1904م لتميزه في علم وظائف الأعضاء، ومنح شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة كامبريدج الشهيرة في عام 1912م، وبناء على توصية من الأكاديمية الطبية في باريس مُنح وسام الشرف الفرنسي عام 1915م وحصل في نفس هذا العام أيضاً على ميدالية كوبلي من الجمعية الملكية البريطانية نظير «جهوده العظيمة ودراساته المعمقة في علم وظائف الأعضاء والمراكز العليا من الجهاز الهضمي»، وسُمي معهد علم وظائف الأعضاء الذي أسسه في عام 1925م باسمه تخليداً لذكراه، وفي عام 2002 وضعته مؤسسة علم النفس العام في المرتبة الـ 24 لأكثر علماء النفس تأثيراً في القرن العشرين.

نشر إيفان بافلوف الكثير من الكتب والدراسات والأبحاث في العديد من المجالات، ومن أشهرها كتاب «عمل الغدد الهضمية» في عام 1902م، وكتاب «الارتكاسات المكيفة» في عام 1927م، وكتاب «عشرون عاماً من الدراسة الموضوعية للنشاط العصبي الأعلى عند الحيوان» في عام 1933م.

توفي إيفان بافلوف في لينينغراد في عام 1936م عن 87 عاماً بسبب الالتهاب الرئوي المزدوج، وطلب من أحد طلابه النجباء أن يكون بقربه ساعة وفاته ليسجل المعلومات المتعلقة بموته للاستفادة من ذلك في الأبحاث العلمية حول الموت.

يقول إيفان بافلوف: «لا تكن مجرد راصد للوقائع، ولكن حاول أن تخترق أسرارها».