لم تنجح المحاولات التركية في إثناء موسكو عن القيام بعملية عسكرية في مدينة إدلب السورية والتي قطعت مساعي أنقرة لإقناع الجماعات المسلحة في إدلب بالدخول في تسويات محلية وتسليم سلاحها وفك ارتباطها بهيئة تحرير الشام التي أعلنتها الحكومة التركية تنظيماً ارهابياً قبل أيام. وفي ظل تلك التطورات تواجه أنقرة صعوبات في تبني موقف واضح سواء بتأييد أو معارضة العملية في حين أن مستقبل الدور التركي في سورية سيعتمد بشكل مباشر على مآلات معركة إدلب.

فمن جهة تحاول أنقرة الحفاظ على المستوى الجيد من التنسيق الذي وصلت إليه مع موسكو وطهران عبر دبلوماسية الاستانة لتطوير هذا المستوى وترجمته في ملفات ثنائية وإقليمية أخرى بالتزامن مع وصول العلاقات التركية - الأميركية إلى نقطة معقدة تداخلت فيها ملفات الاختلاف مع بعضها البعض. ومن جهة أخرى فإن نجاح موسكو في تطبيق سيناريو قصف مدينة (غروزني) الشيشانية على الأرض في إدلب قد ينهي الحرب السورية بشكل يترتب عليه إنهاء عملية الأستانة وانتفاء الحاجة وراء بقاء نقاط المراقبة التابعة للجيش التركية والتي كانت تضمن تطبيق اتفاق خفض التوتر.

وصلت السياسة التركية في سورية إلى تلك الحالة بعدما بدأت تفقد أنقرة أوراق الضغط ومصادر القوة التي كانت تمتلكها في مفاوضات مدينة الاستانة حتى أصبحت غير قادرة على إقناع موسكو وطهران بتأجيل أو إلغاء العملية العسكرية التي بدأت في ادلب. فقد كانت أنقرة تعتمد على لقب (حليف واشنطن الأطلسي) كمصدر قوة لمفاوضيها أمام المفاوض الروسي والمفاوض الإيراني، كما كانت تعتمد على علاقاتها مع جماعات المعارضة لضمان استمرار وقف اطلاق النار وللحفاظ على هدوء الوضع. ومع تصاعد التوتر بين أنقرة وواشنطن الذي وصل إلى نقطة معقدة، ومع اعلان موسكو عزمها على انهاء الجولة شبه الأخيرة في الحرب السورية بدون اعطاء أهمية للفصل بين المسلحين المعارضين للنظام والمتطرفين فكريا، يبدو الموقف التركي في حلقة ضعف جديدة قد تؤدي إلى الخفض التدريجي للقوات التركية المتواجدة في الشمال السوري تمهيداً لعودتها إلى القواعد التركية في مدينة الباب وجرابلس ودابق على الحدود السورية - التركية.

ومع أي نجاح تحرزه القوات الروسية وقوات النظام في حسم معركة إدلب أو مع تقليص حجم الخطر الذي تمثله المعارضة المسلحة على القواعد الروسية في سورية، تزداد احتمالات مطالبة أنقرة بخفض تواجد قواتها التي تنتشر في 12 نقطة متوزعة على مناطق في إدلب والمناطق الأخرى. وهو ما سيدفع أنقرة لسحب تلك القوات إلى القواعد التركية على الحدود والتي يتمثل هدفها في منع وصول الأكراد من سهل الفرات إلى ساحل البحر المتوسط في ظل التعطيل الأميركي لاتفاق منبج القاضي بعودة المسلحين الاكراد إلى شرق الفرات ونشر دوريات تركية - أميركية في المنطقة.

لكن تستمر معدلات الخطر مرتفعة على القوات التركية في حال وقوع هذا السيناريو، فقد تزداد احتمالات حدوث مواجهات بين القوات التركية وقوات النظام السوري ومن الممكن أن يعيد النظام السوري استخدام علاقاته مع المسلحين الأكراد لشن هجمات على القوات التركية لدفع تركيا من أجل الخروج من الأراضي السورية. بالاضافة إلى ذلك، فهناك تحديات أمام تطبيق سيناريو التواجد العسكري التركي في العراق على الحالة السورية بسبب اختلاف طبيعة المكون الكردي السوري في المجتمع السوري عن المكون الكردي العراقي وتباين العلاقة بين السلطة المركزية في دمشق وبغداد مع الطرف الكردي في البلدين والانكشاف الجغرافي للأراضي التركية على الأراضي السورية بدون عوائق جبلية.

وفي ظل صعوبة تعطيل هذا السيناريو الذي يبدو قادم وإن تأخر، تحاول أنقرة في المرحلة الحالية إعادة إنتاج دور جديد لها في الشمال السوري بمعالم ومحددات جديدة تضمن إبقاء قواتها أو جزء منها في الأراضي السورية بقبول دولي وتعمل على لفت أذهان المجتمع الدولي حول أهمية التعويل على الدور التركي في سورية. حيث تتحدث الأوساط الدبلوماسية والإعلامية التركية عن ضرورة رفع درجة التنسيق الأمني بين الدول التي تخشى من عودة المتطرفين إليها من سورية وبين الأجهزة الأمنية التركية ويزداد الحديث عن توفير الدعم الدولي لأنقرة كي تقوم بتسهيل أعمال الإغاثة في مدينة إدلب داخل الأراضي السورية وهو ما ستدفع به أنقرة كمبرر لبقاء قواتها في سورية في المرحلة المقبلة.