مما ينبغي أن يدركه كل مشتغل بالقضاء أن المرافعة القضائية تعتبر فنّاً وعلماً ومهارة مستقلة عن العلم الموضوعي بالأحكام الشرعية والنظامية، وأن أساس اكتساب هذه المهارة لا يكون إلا بالإحاطة التامة بكل الأنظمة الحاكمة للمرافعات، وطول الخبرة والدربة والدراية في الترافع..

استعرضت في المقال السابق بعض أساليب المرافعة القضائية المطبقة قديماً وحديثاً في القضاء العام والإداري والجزائي والتجاري، وأوضحت بعض ما طرأ من تغيرات في أسلوب المرافعة في ديوان المظالم الذي تحول إلى عقد جلسة واحدة في قاعة واحدة لعشرات القضايا في يوم واحد من أيام الأسبوع لكل دائرة، لا يتاح في تلك الجلسة أي نقاش سوى تبادل المذكرات فقط.

واليوم أعود إلى الموضوع للتعليق على هذه الأساليب وإبداء رأيي من خلاصة الخبرة التي لدي ولا أدعي هنا أن الصواب ينحصر في رأيي، إنما هو لطرح الأفكار وتحريض العقول على التفكير وبحث الموضوع، وألخص ذلك فيما يلي:

أولاً: إنه كما أشرت في المقال السابق؛ وإن كان نظام المرافعات الشرعية والمرافعات الإدارية قد قررا أن الأصل في مرافعات القضاء العام هو الشفهية، والأصل في المرافعات الإدارية هو الكتابية، إلا أن ذلك لا يحول دون إضافة شيء من الكتابة للمرافعة الشفهية، ولا شيء من المرافعة الشفهية للكتابية، مما يعني أن الغاية هي ما يخدم حسن سير العدالة وسرعة الإنجاز.

وبالتالي فإن الأسلوب المتبع حالياً في القضاء الإداري من الاقتصار على تبادل المذكرات فقط ويستمر تبادل المذكرات مدة طويلةً تتراكم فيها تلك المذكرات في ملف القضية مثل كرة الثلج، ثم لا تبدأ الدائرة دراسة القضية إلا بعد أن يقرر الأطراف الاكتفاء بما قدموه، إن هذا الأسلوب لا يساعد على سرعة الفصل في القضايا ويسلب الدائرة سلطتها التقديرية التي من خلالها تكون هي المتحكم في سير الدعوى والموجّه لها.

ثانياً: إنه في بعض الدعاوى المنظورة أمام القضاء العام يستمر الخصوم في تبادل الردود بينهم في مذكرات طابعها التكرار، ولا يتدخل القاضي لقفل باب المرافعة لسد باب التكرار حين يصل الخصوم إلى هذه المرحلة، وبذلك يطول أمد الدعوى دون جدوى.

ثالثاً: إن بعض الدعاوى تحتاج إلى ندب جهة خبرة فنية، أو إلى اتخاذ إجراء أو قرار عرضي مما يصدر به قرار قبل الحكم في الدعوى، فتتأخر الدائرة القضائية في إصدار هذا القرار في حينه، وذلك لعدم دراسة القضية أولاً بأول، ثم يظهر لها في نهاية الترافع أن الفصل في الدعوى يتوقف على هذا الإجراء فيكون القيام به متأخراً جداً، مما يعطل الفصل في الخصومات.

رابعاً: إن خلو المحاكم بجميع أنواعها من وجود أعوان استشاريين للقضاة يعينون القضاة على تحضير ودراسة وتلخيص الدعاوى، مع ما تشهده المحاكم حالياً من ضغط هائل في حجم العمل وتضاعف أعداد القضايا، يجعل من المستحيل على القضاة القيام بكمال الواجب عليهم في دراسة القضايا وبحثها والحكم فيها ثم كتابة الأحكام، فهذه الأعباء المضاعفة تجعل عمل القاضي أشبه بالتكليف بما لا يطاق، وهذه مسألة مهمة للغاية تستدعي ضرورة المبادرة لمعالجتها وفق ما أكد عليه نظام القضاء ونظام ديوان المظالم اللذان شدّدا على وجوب تأمين العدد الكافي من المستشارين في كل محكمة.

خامساً: إن مما ينبغي أن يدركه كل مشتغل بالقضاء من قضاة ومحامين وغيرهم أن المرافعة القضائية تعتبر فنّاً وعلماً ومهارةً مستقلةً عن العلم الموضوعي بالأحكام الشرعية والنظامية، وأن أساس اكتساب هذه المهارة لا يكون إلا بالإحاطة التامة بكل الأنظمة الحاكمة للمرافعات، وطول الخبرة والدربة والدراية في الترافع، وأن حسن المرافعة وجودتها أو ضعفها ورداءتها كفيل بأن يوصل لصاحب الحق حقه أو يضيعه منه، وبالمرافعة يتميز قاضٍ عن آخر ومحامٍ عن زميله.

وهذه المرافعة القضائية هي من أهم الضمانات لحقوق المتقاضين فيجب ألا يحدث فيها أي إخلال بما قررته الأنظمة الخاصة بها من حقوق الطرفين وإجراءات الدعوى الوجوبية.