المكتبة هي المكان الذي يتأهل فيه الأديب ويبني نفسه فيها لبنة لبنة كما يبني مكتبته، في هذه الزاوية يتحدث الأدباء عن مكتباتهم وكيف نشأت وتكونت، ويستعيدون ذكرياتهم فيها ومعها.. الشاعر محمد التركي تحدث عن مكتبته قائلاً: لقد نشأت في بيت تتوسطه مكتبة، عند الذهاب لأي مكان لابد أن تصيبك عدواها ويختلط عطرها بهواء رئتيك، ثم يتطور الأمر ليختل توازنك في كل مرة لتصبح محطةً تتزود منها، وتطلع على عناوينها وتتأمل صفحاتها، تفتش عن بيت شعر ضائع، أو قصيدة مختبئة، أو شاعر يحاول الهرب من بين كتبٍ لا تناسب قوافيه. ثم يتطور الأمر لتصبح المكتبة مزاراً دائماً وملجأ خاصاً لمواجهة الحياة ثم ينتهي بها الأمر لتكون معتزلك الخاص لتجد حياتك فيها». ويكمل: أن تكبر في بيت يؤمن بانيه أن المكتبة تستحق حيزاً خاصاً فأنت ذو حظ عظيم، ولديك من الفرص ما يكفي للعيش داخل كتاب. والمكتبة مثل المرايا التي توحي بأن هناك مساحة إضافية في البيت، غير أن المكتبة تعطي مساحات شاسعة يمكن الدخول إليها بعكس المرايا. لقد وجدت هناك جواهر الأدب وزهر الآداب وديوان الأمير أحمد شوقي بك وجداول إيليا أبو ماضي وكثيرًا من القصص والمسرحيات والروايات، فألقيت رحلي هناك وتوقف الزمن الحالي لتحل أزمنة قديمة وأزمنة لم تأت بعد، ويكون الكتاب صديقاً صدوقاً لا يدعني في أوقات الرخاء والشدة». ويتذكر مكتبته الأولى بقوله:»كانت مكتبتي الأولى صغيرة جداً، ولكنها تستند على مكتبة والدي العامرة، وكنت أزودها ببعض الروايات التي تناسب عمري آنذاك، وبعض المجلات التي أقتنيها بمجرد صدورها، مثل مجلتي ماجد وباسم وغيرهما، وفي كل مرحلة دراسية أضيف ما أستطيع بلوغه من شعر ونثر، فقد حصلت على نسختي الخاصة من ديوان شوقي، وديوان أبي الطيب المتنبي وديوان أبي تمام والعباس بن الأحنف وابن زيدون، وتوالت كتب الشعر الذي كنت أكتبه مبكرا وأحبه بشكل خاص، إضافة إلى بعض الروايات العربية والعالمية. ويضيف: زرت معرض الكتاب في بداية المرحلة الثانوية ولم أخرج بأي كتاب، بل شعرت بالوحشة والضياع هناك، بدت هذه الكتب اللا نهائية مشتتة ولا يمكن مجاراة تكاثرها وتمددها وحصارها، وشعرت أنني أنتمي للمكتبات الصغيرة والرفوف التي لا تعرض علينا أكثر مما نريد». ويختم حديثه بقوله: «كنت في مرحلة مبكرة أوفر من المصروف لشراء الروايات ولا مانع لدي من تمريرها إلى الأصدقاء، لذلك لم تكن فكرة المكتبة موجودة لدي، بل كانت الكتب تأتي وتذهب، وكل كتب تلك المرحلة كانت مشاعة للجميع، ولم يبق لدي منها شيء، وفي المرحلة الجامعية أصبحت لدي كتب أخشى عليها من الرحلات باتجاه واحد، فاجتمعت عندي بعضها، إلى أن كبرت وصارت تحتل جداراً كاملاً كعلامة أولى على نمو الذائقة والتوجه الشخصي في القراءة والانعتاق من مكتبة البيت العامة، وبعد سنوات طويلة اضطررت لتكوين مكتبة أخرى مساندة. ليس لدي كتب أعلى مرتبة من غيرها، فالكتاب الذي يستحق البقاء هو الذي سيظل أما غيره فيجد طريقه خارجاً، والكتاب الأثير هو الذي بين يديّ في تلك اللحظة، مهما كان عنوانه وكاتبه».