يقول خبراء الاقتصاد والتجارة: إن الجدوى الاقتصادية أولوية حتمية من أولويات المشروع الناجح، والجدوى هي مجموعة التكاليف التي تنفق على المشروع، من مال وجهد ووقت، من البداية وحتى نهاية المشروع، فإذا كانت هذه التكاليف تتجاوز حجم الأرباح المتوقعة، فإن صاحب المشروع يتراجع عن تنفيذه، لأنه مكلف وغير ذي جدوى، وهذا ينطبق على الجدوى الوطنية إذا جاز التعبير، وأقصد هنا محاولة استثمار الإنسان، وتدويره من خلال إخضاع المدارس، والجامعات، والكليات والمعاهد والمنتديات، وكل المؤسسات التي تعنى بتنشئة الفرد تنشئة إيجابية، أن تطبق فلسلفة الجدوى الوطنية على غرار الجدوى الاقتصادية، ولكن بمعيار الربح فقط، وليس بمعيار الربح أو الخسارة، أي أن يوضع الطالب والعامل والفلاح والحرفي والمهني والتاجر في هذا التدوير، من أجل الحصول على كوادر وطنية محصنة واعية، ومفعمة بحب الوطن، ومجبولة على كره المحسوبية واللصوصية والانتهازية، وكل العاهات التي تفتك بالوطن ومقدراته.

فلو أخضعنا الفرد للجدوى نستطيع أن نعرف ما يعطيه هذا الفرد للمجتمع والوطن، فمثلاً نسبة ما يعطيه طالب الجامعة في تخصصه، يفوق ما أنفق عليه منذ المرحلة الابتدائية وحتى تخرجه، وكذلك العامل والفلاح والمهني والحرفي، عندها سيزدهر الوطن وسيسمو بالإنسان، في قصة عشق خالدة وأسطورية، تعبر بالوطن إلى آفاق المستقبل الرحبة، لأن استثمار الإنسان هو الاستثمار الخالد، لأنه الثروة التي لا تنضب أبداً، وعلينا أن نلقي نظرة فاحصة على أحوال ومصائر بعض الشعوب التي كانت ترزح في غياهب الجهل والتخلف والفقر، وكيف أنها وضعت الإنسان في قائمة استثماراتها الإستراتيجية الطموحة، واعتمدت عليه اعتماداً كلياً، فلم تستورد، ولم تتذمر، ولم تشكُ، احتراماً لما قد ينتج عن هذا الاستثمار العظيم، وفعلاً بعد سنوات وجيزة أثمر هذا الاستثمار، وجاء بنتائج ضخمة ومذهلة، فارتفع الإنتاج، وانتشرت المصانع، وأصبحت هذه الشعوب مصدرة وليست مستوردة، فعم الرخاء وتضاعف دخل الفرد، فأصبحت شعوباً حية منتجة مصدرة بعد أن كانت مستهلكة، فارتفع شأنها بين أمم وشعوب الأرض، لأن الإنسان يا سادة هو النواة الأساسية لانطلاق المجتمعات نحو التقدم والتطور والحضارة، ويبقى أن نقول إن تقدم الأوطان مرهون بهمة وعزيمة أبنائها.