الدولة لم تبخل على قطاع التعليم بميزانيات مهولة سنوية لو أحسن تنظيمها لكان التعليم السعودي أيقونة تحتذى عالمياً، ولكانت جميع المدارس ذات مبانٍ وملاعب ومختبرات وصالات أنشطة ومسارح سواء في مدرسة مدينة ضخمة أو في القرى والهجر..

ظل التعليم هاجساً عظيماً لدى الحكومة السعودية والمواطن، منذ نشأة مديرية المعارف 1344هـ، وتحولها إلى وزارة للمعارف 1371هـ، وتعاقب عدد من المسؤولين عليها، حتى وصولها إلى وزارة التعليم، بما هي عليه اليوم من قيمة وتواجد وضخامة وتفرعات يزيد من هاجسها التغيرات السريعة.

رؤية الوزارة الحالية: تعليم متميز لبناء مجتمع معرفي منافس عالمياً.

ورسالتها: توفير فرصة التعليم للجميع في بيئة تعليمية مناسبة في ضوء السياسة التعليمية للمملكة، ورفع جودة مخرجاته​، وزيادة فاعلية البحث العلمي، وتشجيع الإبداع والابتكار، وتنمية الشراكة المجتمعية، والارتقاء بمهارات وقدرات منتسبي التعليم.​​

​​رؤية رغم فخامتها اللفظية إلا أنها لا تمتلك المسار الواضح ومحطات القياس، فكلمة متميز عائمة لا نعرف كيف نقيسها، ولا مقارنتها في فترة وزارية عن الأخرى، ولذلك يستمر غموض ما يحدث في هذه الوزارة رغم تعداد وتشعب مشروعاتها المتعاقبة وميزانياتها الضخمة. المفترض أن تكون الرؤية محددة بهدف وزمان ومكان نعرف من خلال تتبعه أين نحن، وكم تبقى لنا للوصول.

ولنتخيل أن الوزارة وضعت في رؤيتها: أن يوازي أو يفوق التعليم الحكومي جودة التعليم الخاص، وأن يصبح إليكترونياً خلال (كذا سنة). فهنا يمكننا قياس التقدم في هذه الرؤية سنوياً، ومن خلال مقارنة داخلية بين كياني تعليم محليين، ومتابعة التحول القابل للقياس.

كلمة عالمي مظللة، فهل تعني مقارنة تعليمنا بألمانيا، أو ماليزيا، أو مع العراق أو الصومال؟ مما يجعلنا سنوياً ودورياً راضين عن مكان وصولنا، مهما اختلف من يحسب المسافات.

وتبعاً لذلك فإن بنود الرسالة يجب أن تتغير، لنمتلك أهدافاً واضحة للرؤية، يمكن لأي شخص أن يحسبها ويقيس الفارق السنوي، ولا نجد في الرسالة أي كلمات مائعة، أو تختلف حسب من يقوم بالقياس، مثل: (رفع جودة مخرجات التعليم)، فهذه تحتاج إلى تحديد معنى الجودة، والمكان المقارن به، والزمن المتوقع، وتراكمية ذلك، فلا تصبح الجودة، مجرد تمرير ما هو موجود بقناعة المفهوم العام الوقتي، والذي لا يصاحبه دراسة وقياس وبحوث تطويرية عملية.

وكلمة مثل: (زيادة البحث العلمي، وتشجيع الإبداع والابتكار)، أيضاً تائهة، وتجعل من البحث العلمي مجرد عملية المطالبة بمنهج شكلي، ينتهي بنهاية الفصل الدراسي، ودون وجود متابعة، وانتقاء لأجمل وأتم البحوث، والعمل على تطويرها، وبدء بعض البحوث من حيث انتهى البحث الأقدم، وتكوين مكتبة علمية خاصة بالمعلمين والطلاب يعودون إليها عندما يمتلكون الفكر الجديد، مع الاستعانة بالخبراء، ممن يمكن أن يخلقوا لنا عالماً غنياً بالبحث العلمي الفاعل، وليس مجرد شكلية ومسميات واختراعات هزيلة، يقوم بها المعلمون نيابة عن طلابهم، وتنسى في نهاية الفصل، ليعود طالب جديد باستنساخها.

وجملة مثل: (تنمية الشراكة المجتمعية)، عائمة يصعب قياسها، ومعرفة أي المقار التعليمية قام بها بشكل تفاعلي مرصود، وكيف كان تأثير ذلك على أداء الطلبة والمعلمين وسير مناهج التعليم، وبالتالي قياس الفائدة المجتمعية.

كما أن عبارة: (الارتقاء بمهارات وقدرات منتسبي التعليم)، تحتاج لجداول زمنية واضحة، بعدد الدورات المطلوبة لكل مرحلة، وما يتبعها من عمليات قياس للمردود التراكمي، وليس فقط حضور الدورة.

أمور كثيرة تظل تائهة المعنى في هرمونية وزارة التعليم، فينتظر المواطن انتهاء فترة الوزير المعين، ثم يكتشف في نهايتها أنها فترة للنسيان، وأن على الوزير القادم البدء من الصفر، بمشروعات جديدة، وطرق مختلفة، وهدر لأموال الدولة، التي لم تبخل على هذا القطاع، بميزانيات مهولة سنوية لو أحسن تنظيمها لكان التعليم السعودي أيقونة تحتذى عالمياً، ولكانت جميع المدارس ذات مبانٍ وملاعب ومختبرات وصالات أنشطة ومسارح سواء في مدرسة مدينة ضخمة أو في القرى والهجر.

ولتتم مراقبة أداء عموم المعلمين، بحيث لا يستمر اختلاف النهج في أدلجة الأفكار أو خلطها حسب رغبة كل معلم، ولعرفنا أن أبناءنا جميعاً بين أيدٍ أمينة، لا إفراط ولا تفريط.

أحترم معالي وزير التعليم أحمد العيسى، وأقدر جهوده حينما يحاول توجيه أعداد ضخمة من المسؤولين القائمين على صناعة التعليم، وممن تخرجوا من مدارس محلية وعالمية مختلفة، ولا نتمنى أن يظل بعضهم ولو بالسر يغني على ليلاه.