في المصنفات التراثية كثيراً ما يأتي الحديث عن العشق بوصفه مصدر ارتقاءٍ للإنسان العاشق، فهو كالسحر في تأثيره الطاغي وقدرته العجيبة على تغيير أسوأ ما في الإنسان من الصفات إلى الأفضل، وعندما سُئل أحد الحكماء عن ماهية العشق أجاب بإجابة طويلة جاء فيها: "وقد رأينا الهوى يُشجّعُ قلبَ الجبان، ويسخي كفَّ البخيل، ويصفّي ذهنَ الغبي، ويبعثُ حزمَ العاجز، ويخضعُ له المتجبّرُ، وينقادُ له كل مُمتنعٍ، وهو أميرٌ مُطاعٌ، وقائدٌ مُتَّبع".

العشق بحسب هذا الحكيم قائدٌ قادرٌ على إحداث مُعجزة تؤدي لتغيير ما لا يُمكن تغييره بسهولة: كطباع المرء السيئة الملازمة له، وقادرٌ على الارتقاء به إلى ذروة الإنسانية. لكن الناظر يجد بأن الشعراء يُفضلون التعبير عن التأثير الأوّلي للعشق بصورٍ وتعبيراتٍ ذات دلالة على السقوط أو النزول، ففي القصيدة الشهيرة (رسالة من تحت الماء) يقول نزار قباني:

الموج الأزرق في عينيك يُناديني نحو الأعمق

وأنا ما عندي تجربةٌ في الحبِ ولا عندي زورق

إني أتـنـفسُ تـحت الماء

إني أغرق، أغرق، أغرق

وفي الشعر الشعبي أيضاً يُصوّر الشاعر محمد الخس اجتياح الحب لقلبه بصورة فريدة يستدعي فيها حادثة طوفان نوح عليه السلام، يقول:

تجيني بأساليبٍ تزيد الجروح جروح

خذتني بضحك حجاجها مع تبسّمها

غرقت بغلاها مُغرمٍ مثل غرقة نوح

ولا أدري عن أيام الغلا وش خواتمها؟

في بعض الحالات لا يلجأ الشاعر إلى تصوير اجتياح العشق له، أو غرقه التام في جمال المحبوب ومحاسنه، بل يكتفي باستخدام عبارات قوية الدلالة للتأكيد على شدة التأثر والانهيار السريع أمام المحبوب، كاستخدام الأمير عبدالله الفيصل لعبارة "طحت كلي" في قوله:

أحسب الحب حبٍ قد مضى لي

وأثر ما فات من حبي تسلّي

إلين الله رماني في طريقه

وذقت الحب صدق وطحت كلّي

وترد هذه العبارة في العديد من القصائد الشعبية أيضاً كقول الأمير عبدالعزيز بن سعود (السامر):

طحت في حب العيون السود كلّي

ومن عثر في رمش عينك ما يقومي

وللشعراء في عشقهم وفي تعبيرهم مذاهب شتى، فقد استخدموا كثيراً من العبارات البديعة لوصف تأثير العشق على مشاعرهم وعلى حياتهم، لكن المساحة تضيق عن استيعاب المزيد من الشواهد عن هذه الفكرة، وعن موضوع العشق، أو السقوط المرغوب الذي يرتقي به الإنسان، ويجد فيه لذة الحياة الدنيا ونعيمها. وللحديث بقية إن شاء الله.