أتذكر قناة الجزيرة في سنواتها العشر الأولى منذ أن ابتدأت البث. كان هناك طاقم إعلامي على قدر عالٍ من المهنية يمتلك المهارات ليست الأساسية وحسب بل يمتلك المهارات التي جعلته مميزاً ثقافةً وتنوعاً وتخصصاً.

لا أنسى أبداً برنامج (حرب لبنان) الذي أعُده شخصياً أفضل برنامج وثائقي عن حقبة دامية مضت. قدم هذا البرنامج تاريخ لبنان بتوازن مقبول بين كل الطوائف.

كان عملاً يختصر عليك سنوات من القراءة والبحث لمعرفة لماذا احترق (سويسرا الشرق) خمسة عشر عاماً في معارك لم ينتصر بها أحد وخلّفت وراءها الدمار.

وبشكل عام فرضت الجزيرة نفسها كمصدر للخبر في العالم كما حدث خلال عدة أحداث مثل انتفاضة فلسطين عام ألفين وحرب أفغانستان والعراق بعد ذلك.

في الجهة المقابلة كانت القناة تُبين الكثير من التحيّز ضد المملكة ومصر مع التجاوز المعروف عنها عن قطر. وهيّجت الشارع عبر برامجها مثل (الاتجاه المعاكس) و(أكثر من رأي) ضد الأنظمة العربية والتي تصورها كأنظمة عميلة للغرب وإسرائيل مع العلم أن قطر لسنوات كان يوجد فيها تمثيل إسرائيلي أغلق فترة بعد ضغط سعودي لعدم قبول المملكة بأن تشارك في قمة لصالح القضية الفلسطينية والمستضيف -قطر- يستضيف التمثيل الإسرائيلي وهو في غنى عن ذلك، بخلاف مصر التي أطّرت لسلام مع إسرائيل من أجل استعادة أراضيها المحتلة بعد أن أيقنت بأن استمرار الصراع العسكري لن يصل إلى نتيجة.

كل هذه المهنية والقوة الإعلامية كان واضحاً أنها موظفة لخدمة أهداف وأجندات يريدها الأمير السابق لقطر حمد بن خليفة لنفخ وزن قطر السياسي عبر هدر أموال الغاز لزرع معارضات وخلايا إخوانية داخل الأنظمة العربية الأخرى.

أهم رأي حول حمد بن خليفة هو ما ذكره بكل صراحة أمين عام جامعة الدول العربية أحمد أبوالغيط في كتابه (شهادتي) بأن أمير قطر السابق كان يحمل الكثير من الكره للمملكة ومصر ظناً بأنهما لم ترحبا بوصوله للحكم. وبعد ذلك أصبح يعتقد أنه يستطيع تغيير الأنظمة لدرجة أنه أول من انقلب على حلفائه مثل القذافي الذي بنى له قصراً للنقاهة في مدينة سرت.

أضيف هنا أن تقدم الجزيرة كان بمعزل تام عن صناعة الإعلام في قطر وتستطيع أن ترى الفرق عندما تقرأ الصحف القطرية وتقارنها بالقناة. لقد سمحت قطر لنفسها بأن تكون موقع بث ومصدر تمويل وليست بيئة تكاملية لصناعة إعلامية وثقافية.

لسنوات لم أشاهد قناة الجزيرة وبالصدفة منذ شهر شاهدت نشرة أخبارها. تفاجأت كيف تغيرت فلم أعد أعرف المذيعين وفي نظري تدهورت مهنية القناة وأصبحت قناة كارهة للمملكة فقط. لقد أصبحت نشرة أخبارها وبرامجها ليست فقط ضد المملكة بل لا تقدم إلا ما هو ضد المملكة على حساب المهنية والمصداقية.

نعم انتهت قصة تلك القناة التي كانت ورقة الضغط القطرية.. لقد تيبست وأصبحت صفراء.