الكلمة أعلاه هي مثل شعبي قديم لمن يعاني من العمل لوحده في مكان مليء بالفروغات، وتفسيرها اليوم بكل بساطة يأتي في ستة أحرف ليقترن بالوسم الشهير (هلكوني) على موقع التدوين المصغر «تويتر»، والذي عج بآلاف الشهادات الوهمية، بل إن الكثير من أصحاب الشهادات الوهمية التي حصلوا عليها، سواء من جامعات غير مُعترف بها، أو بتلك الرسائل الخاصة بالماجستير والدكتوراه التي كُتبت لهم على قارعة الطريق.

الحملة تعود إلى عام 2012 عندما أطلقها عضو الشورى السابق موافق الرويلي، هذا الرجل حتى لو كنت اختلف معه، وحتى لو اصطدمت معه أبان عمله تحت قبة مجلس الشورى هو كـ(عضو) محارب وأنا كـ(صحفي) نشط، فكنت ومزلت أوافقه ولا أتوافق معه في كثير من الأمور، ما عدا تربطنا صفة واحدة وهي (حُب الوطن) التي اجتمعنا عليها، ولن نفترق.

الشاهد بالحديث، أن ما قام به الرويلي كفرد فاق عمل الكثير من المؤسسات التي عملها بالأساس هو التدقيق والتمحيص والتثبت من سلامة الشهادات التي يحملها من يقومون بالتقدم للوظائف لديها، فهناك موظف وهمي قد يهدم بناية فوق رؤوس سكانها، وثاني قدم يتسبب في خطأ طبي يفقد الإنسان جزءاً من جسده، أو قد يفقد أهل المريض مريضهم، وآخر قد يتسبب بكارثة لا يُحمد عقباها، وقس على ذلك الكثير.

كلمة الكثير أعلاه، عندما أردت كتاباتها كُتبت بالخطأ (الضمير) وهو الأمر الذي نريده أن يكون حاضرًا في كل الوظائف والمهن والتخصصات والقطاعات، لن أتحدث عن الوطن والوطنية التي يجب أن يكونا هما الرقيب عليك لأنك تعمل من أجلهما وعين الله من فوق ذلك كله ترقبك، إلا أن الضمير الحي الموجود عند آلاف البشر المخلصين في أعمالهم لا يمكن وضعه كنموذج يحتذى به أمام الفاسدين.

عندما وردت كلمة الفساد، تذكرت (نزاهة)، ودورها في كشف قضايا الفساد في المشروعات والمدن والهيئات والوزارات وكل شيء له علاقة بالفساد والمفسدين، إلا أنني اعتبر نفسي متابعاً جيداً للإعلام وبشكل دقيق، كونه عملي الأساس، والذي يقتضي المتابعة الدقيقة لكل الأحداث، إلا انني أَجِد أن الهيئة وعلى الرغم من الصلاحيات التي مُنحت لها من أعلى سلطة في البلد، إلا أنها لا تزال إلى الآن بحاجة شخص يذهب لمقرها، ويشجعها، ويأخذ بيدها، ويقول لها: (لديكم صلاحيات تكف يد أكبر مسؤول فاسد، استخدموها بما يرضي ضمير الوطن).

حتى الواسطة و(جايك من طرف فلان)، و(فلان ولدنا لا أوصيك عليه)، و(أمسك لي وأقطع لك)، والترقيات والمحسوبيات، و(عشان فلان ولد فلان، أو يقرب لعلان)، حتى الجملة الشهيرة (راجعنا بكرة)، و(الموظف راح يفطر أو يجيب عياله)، أو (الموظف أو الشيخ أو المدير طالع إجازة)، كلها من قضايا الفساد والتقصير بالعمل، والتي تضر بالبلد، ومشروعات البلد، ومصالح البلد المرتبطة بالمواطن والمقيم على حد سواء، وتعطل الناس على توقيع أو ختم لفترات طويلة، أيضاً تعطل تنمية الوطن.

أعود إلى قضايا الشهادات الوهمية أو المزورة وخلافها، واستغرب وعلى الرغم من الكشف عن آلاف الأسماء ممن لديهم شهادات وهمية ويعملون في مناصب قيادية في القطاعين العام والخاص، إلا أنهم مازالوا مستمرين في أعمالهم (عيني عليهم باردة)، فهذه المعلومات قُدمت للجهات المعنية والمختصة بذلك على طبق من ذهب، (قال خذ خير قال ماعندي ماعون)، لكن (شكل حقين الشهادات الوهمية) عارفين بالمثل الشهير ويرددونه دائمًا (قال انفخ يا شريم، قال ما عندي برطم).

فمن المفترض أن يتم إنشاء هيئة مستقلة تحت اسم (الرقابة والتدقيق)، وتُمنح جميع الصلاحيات، ويكون من ضمن مهامها، تدقيق جميع شهادات موظفي القطاع العام والخاص، خصوصاً المناصب القيادية منها، ولا يستثنى من ذلك كائنًا من كان، إضافة إلى تدقيق عمل ومهام الموظفين، بما في ذلك ساعات العمل والإنتاجية، والإجازات الرسمية غير المرضية ومن تحت الطاولة، كذلك مسألة طرح الوظائف الشاغرة وملؤها بمن يريدون قبل الإعلان عنها.

ومحاسبة المقصرين في أعمالهم ووظائفهم، ومحاكمتهم علنياً كما عملت وزارة الداخلية بمحاكمة المتهمين بقضايا الإرهاب وأمن الدولة أمام ممثلي الجهات الإعلامية بكل شفافية، كذلك من مهام الهيئة مراجعة مدى احتياج استخدام سيارات العمل خصوصاً الجهات الرسمية منها خارج أوقات الدوام، فنجد هذه السيارات في كل مكان وشارع، ونخجل بعض الأوقات من تصرفات سائقيها وأنها تتبع لتلك الجهة، والتشديد على مراجعة مشتريات جميع الجهات، وتدقيق الفواتير والمعاملات والتأكد من سلامتها وقانونيتها، فهناك حرق للميزانيات قبل نهاية كل عام، وشراء أي شيء، حتى لا تأتي ميزانية العام التالي أقل من سابقة.

كلمة أخيرة، قد لا يكون المفسد هو رأس الهرم في تلك الجهة، وهو أول من يُحاسب على تقصير عمل جهته، كونه المعني بذلك والمسؤول أمام ولي الأمر الذي عينه ليكون عينه على تلك الجهة، ولكن ربما يكون هناك (فأر) يهدم السد وينخر في أركان المنشأة وبنيتها، ومن المهم والواجب أن ننقذها وغيرها من الجهات الأخرى بإنشاء هيئة (للرقابة والتدقيق) وتكون مستقلة، لنحافظ على الوطن وخيراته بكل حزم وعزم بدلاً من أن ننفخ في «قربه مشقوقة».

*إعلامي وكاتب صحفي