التفسير الوحيد لغياب الوفد الحوثي عن الحضور لمحادثات جنيف مع الحكومة اليمنية الشرعية هو إيران، حيث أصبح الملف اليمني وسيلة للتفاوض، ليس بين اليمنيين لتقرير مصيرهم، ومستقبل بلادهم، وإنهاء معاناة شعبهم، ولكن للتفاوض بين إيران ودول أخرى حول مصير إيران في المنطقة، وتحديداً بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، وإعلان قائمة العقوبات التي ستكون أشد في نوفمبر المقبل، كذلك تطورات الأوضاع السياسية في العراق، والعسكرية في سورية، وما قد ينتج عنهما من تأثير سلبي متوقع على المشروع الإيراني مستقبلاً.

إيران اتخذت من اليمن صفقة سياسية تتفاوض عليها لتحقيق مصالحها، ولم يعد للحوثي قرار يتخذه، أو تكتيك يناور فيه من دون تفويض إيراني، وبالتالي كان قرار منع حضور الوفد الحوثي لمحادثات جنيف بأمر من حكومة طهران ومرشدها الأعلى، ولن يعود الوفد إلى طاولة المفاوضات مادامت إيران تواجه ضغوطات سياسية وعسكرية واقتصادية تجاه مصيرها في المنطقة، ولم تصل بعد إلى تسويات أو تحقيق مكاسب على الأرض للتفاوض مجدداً في اليمن.

الحوثيون لم يعد أمامهم خيارات سوى الحل السياسي لإنهاء الأزمة وفق مرجعياتها الثلاث، والوقت لايزال لصالحهم لتنفيذها وفق تفاهمات معينة برعاية أممية، وذلك قبل أن تغادر إيران المشهد العربي بفعل أميركي، وضغط إقليمي ودولي وشعبي أيضاً، وبعدها لن يكون هناك طاولة، فضلاً عن حوار مع الانقلابيين، بل سيكون التاريخ شاهداً على نهاية الحوثي ومشروعه في اليمن.

المبعوث الدولي للأزمة في اليمن مارتن جريفيث لايزال يتطلع إلى جولة قادمة من المباحثات بين الحكومة الشرعية والحوثيين، على اعتبار أن الحل في اليمن سياسياً وليس عسكرياً، وهذا المنطق الذي قوّى الحوثيين كثيراً جعل من فرصة الجلوس معهم مكسباً للتقدم في الحل، ولكن الواقع عكس ذلك، حيث لايزال الموقف الحوثي مرتهناً بوضع إيران في المنطقة، وليس بوضع اليمن واليمنيين بعد سنوات من الحرب.

الحل سياسي في اليمن هذا صحيح، ولكن ليس على طاولة مفاوضات آنية أو مستقبلية بين أطراف الأزمة، وإنما بعد تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، وفشل مشروعها بالكامل في سورية والعراق، وانحسار دورها الإقليمي إلى داخلها الهشّ، حيث لن يجد الحوثي نفسه مفاوضاً في جنيف بل مستسلماً لواقعه المرير، ورافعاً رايته البيضاء؛ لأن إيران لم تعد داعمة بعد أن سقط مشروع الطائفية الكبير، وحلم الإمبراطورية الفارسية الذي تهاوى للأبد.