على المجتمع أن يدرك أن محاكمة الإسلام السياسي بجميع رموزه ليست محاكمة للدين أو التدين، بل محاكمة عادلة لمشروعات فكرية تسعى إلى ترسيخ انعدام الثقة بين الحكام والشعوب، وإلى اتهام الدين الموسوم بالعدل بأنه دين الاستبداد والتحيز لصالح فئات ضد أخرى..

ظل مصطلح الإسلام السياسي مبهماً لدى الكثير من الأفراد في المجتمع لأن الصورة النمطية للتدين في المجتمع التي قادها التنظير السياسي للإسلام لم ترغب في تفكيك هذا المصطلح كي لا ينفر الناس منه، لذلك التف الإسلام السياسي بشكل محكم على التدين المجتمعي من خلال رغبة رواد الإسلام السياسي في محاولة جادة نحو إعادة التفكير بالمعايير الإسلامية، ونشر تفسيرات متقدمة للدين تتشابك والسياسة عند مفترق الأمة والخلافة عبر الجهاد، بهدف ربط كل ذلك بروح الإسلام مع الحاجات السياسية الراهنة، وكانت المعادلة الصعبة تكمن في كيفية تسويق التدين في الأغلفة السياسية القائمة.

لم يكن الهدف الأسمى لدى الإسلام السياسي سوى مرحلة هدم وتفكيك للجذور الدينية في المجتمع من خلال ارتباط وثيق بين تلك المجموعات من رواد الإسلام السياسي، وبين الأجيال التي عمل الإسلام السياسي على ضخ الأفكار فيها من خلال تقنية جذابة تمثلت في فكرة الجهاد، وهو ما يشكّل الشق العسكري في العملية، وفكرة الأمة، وهو ما يشكّل فكرة الهدم الشامل للبنية السياسية للمجتمعات الإسلامية من خلال الثورة، أما التقنية الأخيرة فكانت الخلافة، تلك التقنية ساهمت بتمرير الأفكار السلبية إلى المجتمعات تحت غطاء عقدي.

على سبيل المثال تشكّل جماعة الإخوان المسلمين النموذج المثالي لكل حركات الإسلام السياسي التي سادت في المجتمعات العربية خلال الأربعة عقود الماضية، وتعتقد تلك الجماعة منذ تأسيسها في العقد الثالث من القرن العشرين بضرورة تطبيق نظام للتربية الاجتماعية من خلال تربية المجتمع وتحويله إلى شكل من أشكال التدين يتوافق مع توجهات الجماعة، كما ركزت هذه الجماعة على التبرير الدائم بأن ضعف الإسلام هو نتيجة للمؤامرات والاستغلال السياسي.

السؤال المهم الذي يجب أن نسألة في محاكمة الإسلام السياسي: ما الهدف الفعلي لدى رواد الإسلام السياسي من تبرير الجهاد والتطرف والتعصب؟، اعتقد أن فكرة التحريض على الجهاد والوعود الخيالية سياسياً كانت خلف انكشاف هذا الفكر المتطرف الذي كان يعتقد -ومازال- إنه يحمل رسالة مقدسة إلى عالم مدنس بالأخطاء، الخطر الأكبر الذي يحمله رواد الإسلام السياسي هو إبهام الحقيقة بين الدين والسياسة، فتختفي الأهداف الشخصية لتلك الفئات في منطقة حاسمة عندما يلتقي الدين مع السياسة، حيث يرفض الإسلام السياسي أي قراءة جديدة لشواهد التاريخ حول دور الدين في الحياة، فالدين بطبيعته ثابت بتشريعاته وقدسيته والحياة متطورة بحضارتها وسنن الكون المتغيره بشكل دائم، فإذا تم تحريك الثابت وتغييره تطرف وتشدد وتلطخ بالكثير من الإضافات، وإذا تم تثبيت المحرك فسد وأصبح بحيرة آسنة تملؤه الأمراض والأفكار.

لقد حان الوقت لإيقاف تلك المسارات المضللة التي نجح من خلالها الإسلام السياسي في تضليل المفهوم الشعبي للدعوة والصلاح والتدين، وهذا يتطلب قراءة مستجدة للواقع وفهم متغيراته الحقيقية.. إن تمثيل الإسلام سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي لا يعني تبني الأفكار التي يروجها الإسلام السياسي وخاصة في قضايا الأمة والخلافة، المجتمع بحاجة إلى نقلة فعلية في المجال الفكري تبعده بشكل كبير عن تلك المساحات التي احتلها الإسلام السياسي خلال الأربعة عقود الماضية.

لقد عمل رواد الإسلام السياسي على اتهام الإسلام بالاستبداد، وأن المؤسسات السياسية في العالم العربي تستغل الدين، وهذا الخطأ التاريخي الفادح ظهر بشكل واضح وكبير، فكل رواد الإسلام السياسي لا تخلو عباراتهم من ترسيخ أن المجتمعات تعاني من الظلم والاستبداد، وهذا ما حاولوا من خلاله دغدغة مشاعر المجتمعات والأفراد، ولم يكتفِ رواد الإسلام السياسي بهذه الأفكار بل حاولوا نقل فكرتهم عبر تصدير المشروع إلى الخارج، وتبنت دول بعينها دعم مشروع الإسلام السياسي، وسهلت تلك الدول البيئة المالية والإعلامية للترويج لمشروعات الإسلام السياسي.

على المجتمع أن يدرك أن محاكمة الإسلام السياسي بجميع رموزه ليست محاكمة للدين أو التدين بل محاكمة عادلة لمشروعات فكرية تسعى إلى ترسيخ انعدام الثقة بين الحكام والشعوب، وإلى اتهام الدين الموسوم بالعدل بأنه دين الاستبداد والتحيز لصالح فئات ضد أخرى، ولعل الكثير من الكتابات والأفكار التي نشرها رواد الإسلام السياسي عبر فكرهم الذي امتد لأكثر من أربعة عقود يثبت اتهامهم للإسلام وادعاءهم بأن رسالة الإسلام انحرفت عن مسارها في مراحله التاريخية، وهذا ما يجعل فكرة الإسلام السياسي وتبني الكثير من الأفراد والدول لها فكرة خطيرة على المجتمعات لأنها في النهاية تسعى إلى تدمير ممنهج لكل المقومات التاريخية للمجتمع.