اتجهت إيران نحو رفع مستوى علاقاتها الثنائية مع بعض دول الجوار، مثل باكستان وتركيا ودول بحر قزوين، على نحو يشير إلى أنها تحاول استباق بدء تفعيل الحزمة الثانية من العقوبات الأميركية، التي ستمتد إلى الصادرات النفطية، في 4 نوفمبر القادم، خاصة أن تلك العقوبات سوف تساهم في تصعيد حدة الأزمة الاقتصادية الداخلية التي تواجهها، والتي لم تنجح الإجراءات الإيرانية في تقليص تداعياتها خلال المرحلة الماضية، هذا ما أكده تقرير لمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بدولة الإمارات. وأضاف التقرير، ثمة عقبات عديدة قد تواجه تلك الجهود وتضع حدوداً للنتائج المحتملة التي ربما تحققها خلال المرحلة القادمة، ترتبط بحدود التغييرات المحتملة التي قد تجريها إيران في سياستها إزاء بعض القضايا الرئيسة التي تحظى باهتمام خاص من جانب تلك الدول، فضلاً عن تأثير الضغوط الأميركية المحتملة على بعض الأطراف، ودور التوازنات السياسية الداخلية. وأشار التقرير إلى أن إيران تحرص على تطوير علاقاتها مع تلك الدول بدا جلياً في مؤشرات ثلاثة رئيسة تتمثل في:

الأول: المسارعة إلى فتح قنوات

تواصل مع حكومة عمر خان

حيث كانت إيران من أولى الدول التي رحبت بوصول عمر خان إلى رئاسة الحكومة الباكستانية، بمسارعتها في إيفاد وزير الخارجية محمد جواد ظريف إلى إسلام أباد لإجراء مباحثات مع خان والمسؤولين الباكستانيين في 30 أغسطس الماضي. وكان لافتاً أن تلك المباحثات تركزت على قضايا لا تنفصل عن جهود إيران لاحتواء تداعيات العقوبات الأميركية، على غرار التعاملات المصرفية الثنائية ومشروعات نقل الطاقة من إيران إلى باكستان، خاصة الغاز، إلى جانب الملف الأمني.

الثاني: دعم أنقرة في مواجهة

العقوبات الأميركية

على نحو انعكس في تأكيد طهران وقوفها إلى جانب الأولى ومطالبتها الولايات المتحدة الأميركية بـ»وقف إدمانها للحظر». وفي هذا السياق، قام وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بزيارة أنقرة وعقد اجتماع مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية مولود تشاويش أوغلو، في 29 أغسطس الفائت.

الثالث: توقيع اتفاق جديد حول الوضع القانوني لبحر قزوين وكيفية استغلال ثرواته

وذلك خلال القمة الخماسية التي عقدت في كازاخستان في 12 أغسطس الفائت، حيث قضت الاتفاقية بأن تكون المنطقة الرئيسة لسطح بحر قزوين متاحة للاستخدام المشترك، وتقسيم الطبقات السفلية إلى أقسام متجاورة بالاتفاق فيما بين الدول الخمس على أساس القانون الدولي.

وأضاف التقرير، تواجه الجهود التي تبذلها إيران في هذا السياق عقبات عديدة خلال المرحلة القادمة، إذ تدرك طهران أنه لا يمكن التعويل على مدى قدرة حكومة عمر خان على الاستمرار في تنفيذ المشروعات الثنائية الخاصة بنقل الطاقة والتعاملات المصرفية الثنائية خلال مرحلة ما بعد تفعيل الحزمة الثانية من العقوبات الأميركية.

وربما تتعرض الحكومة الباكستانية لضغوط أميركية قوية من أجل منعها من دعم الجهود الإيرانية لمواجهة تداعيات العقوبات التي تفرضها واشنطن، خاصة في ظل حرص الأخيرة على سد أي ثغرات قد تحاول إيران استغلالها للالتفاف على تلك العقوبات وتقليص تأثيراتها.

ولذا، فإن اتجاهات عديدة باتت ترى أنه لا يمكن الرهان على الانتقادات السابقة التي وجهها عمر خان للمسارات الخاصة بالعلاقات الباكستانية-الأميركية، حيث أن موقعه الجديد سوف يفرض عليه خيارات محددة، لا سيما في ظل المعطيات التي تفرضها متغيرات عديدة مثل المشكلات التي تواجه الاقتصاد الباكستاني والتجاذب بين إسلام أباد وواشنطن حول التطورات الأمنية والسياسية في أفغانستان.

وأكد التقرير أن محاولات إيران استثمار التوتر الحالي المتصاعد بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية تواجه عقبة الخلافات المتصاعدة حول الموقف في إدلب، حيث ما زالت أنقرة حريصة على توجيه تحذيرات من عواقب التدخل العسكري من جانب روسيا وإيران والنظام السوري في إدلب، خاصة على صعيد تفاهماتها الأمنية المستمرة مع موسكو وطهران.

إلى جانب ذلك، أثار توقيع الاتفاقية الخاصة بالوضع القانوني لبحر قزوين جدلاً متصاعداً داخل إيران ربما يخصم من قدرة حكومة روحاني على استثمارها لتحسين العلاقات مع دول البحر، وفي مقدمتها روسيا. إذ أشارت اتجاهات قومية عديدة داخل إيران إلى أن المرونة الملحوظة التي اتسمت بها سياسة إيران خلال المباحثات التي شهدتها قمة كازاخستان أدت في النهاية إلى تقليص حصة إيران من ثروات البحر من 50 % حسب ادعاءاتها، إلى 13 % فقط، خاصة أن إيران حرصت على تجنب الانخراط في مناقشة تقسيم الحدود المائية للبحر، حيث تدعي تلك الاتجاهات أنه يجب تقسيمها حسب بعض الاتفاقيات التاريخية، على غرار اتفاقيتى 1921 و 1940، بما يعني حصول إيران على 50 % من ثرواته، باعتبار أن الدول الأربعة الأخرى كانت ضمن الطرف الثاني المشارك في تلك الاتفاقيات وهو الاتحاد السوفيتي السابق. ومن هنا، سارعت الحكومة إلى تأكيد أن المباحثات التي أجريت خلال قمة كازاخستان لم تتطرق إلى قضية تقسيم ثروات بحر قزوين، معتبرة أن هناك ما بين أربعة إلى خمسة ملفات تم تحييدها خلال التوقيع على الاتفاقية الأخيرة، بسبب عدم الوصول إلى حلول وسط بشأنها بين الدول الخمس. وأشار المتحدث باسم وزارة الخارجية بهرام قاسمي إلى أن الاتفاقيتين المذكورتين لم تتضمنا بنوداً حول الحصص المتساوية أو المشاركة المشاعة في البحر.

واختتم التقرير، وعلى ضوء ذلك، لا يبدو أن الجهود التي تبذلها إيران لرفع مستوى علاقاتها الثنائية مع بعض دول الجوار، سوف تنتج تداعيات إيجابية قوية قد تعزز من قدرتها على احتواء تأثيرات العقوبات التي بدأت الولايات المتحدة الأميركية تفرضها، لا سيما أن الأخيرة تبدو حريصة على منع إيران من استخدام الآليات نفسها التي تبنتها في المرحلة السابقة للتعامل مع العقوبات الأميركية والدولية التي تعرضت لها ورفعت بمقتضى الاتفاق النووي الذي توصلت إليه إيران ومجموعة «5+1» في 14 يوليو 2015، وربما يمكن القول إن انخراط إيران في مثل تلك الجهود يشير إلى أنها قد لا تقدم بسهولة على إجراء تغييرات في سياستها التي تسببت في تصاعد حدة الضغوط الداخلية والإقليمية والدولية ضدها، باعتبار أنها تحاول توجيه رسائل بأن العقوبات الجديدة لن تدفعها إلى الاستجابة للمطالب الأميركية الخاصة بالتوقف عن دعم الإرهاب والتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة وتطوير البرنامجين النووي والصاروخي، وأنها سوف تحاول احتواء تداعيات تلك العقوبات عبر الحفاظ على علاقات قوية مع بعض دول الجوار، وهو ما لا يبدو أنه يمثل خياراً مستقراً بالنسبة لطهران.