مهما حاولنا أن نتوسع في استجلاب سلسلة الأحداث المرتبطة بتفاصيل العام المنصرم 1439، فلن تسعفنا ذاكرتنا في استيعاب كامل تلك التفاصيل، ومهما بلغت قدرتنا الذهنية في الفهم والإدراك فسوف تعيينا الحيل لا محالة، فمن المستحيل جداً استذكار جملة تلك الأحداث، وكامل جزئيات حقبة زمنية متداخلة ومتشابكة، وسردها على وجه الدقة في غضون سويعات وأيام من الصعوبة بمكان، لكن حسبنا استحضار ثمرة اللحظات الجميلة التي تسارعت فيها الخطى بملابسات مفصلية ومفارقات عجيبة، وحسبنا استشعار المواقف الساحرة التي اتسمت باضطرابات وجدانية أحدثت ضجة وهزة واسعة على المستوى الشخصي، بعيداً عن المواقف التي تجدد فينا تجاعيد الأوجاع المؤلمة لحوادث مؤسفة، فالحياة مع اتساعها ورحابة العيش فيها ما هي إلا لحظات معدودة، إن كدّرتنا زمناً فسوف تسعدنا أزمنة أخرى، ومن ساءه يومه فسوف يسعد سائر الأيام، وليس بعد العسر إلا اليسر، «فإن مع العسر يسراً. إن مع العسر يسراً»، ويكفي أن نستلهم من تلك المواقف الدروس والعبر، لأن غاية ما فيها هو استنهاض عوامل القوة فينا بإرادة وعزيمة قوية من خلال أخذ العبرة والعظة؛ لنرسم لذواتنا منهج حياة مستقبلية لسنة وشيكة، وسنين قادمة جميلة يملؤها الأمل الكبير والرضا التام بما قسمه الله لنا، والمتاعب والمصاعب التي صادفتنا في سالف أيامنا ما هي إلا محطات مؤقتة يجب أن نتجاهلها لمجرد تجاوز أحداثها، وإن كانت كبيرة ومهيبة في ذاتها، فاستنهاض الهمم أكبر هيبة وأجل، وفرص النهوض والتقدم سوف تكون أوفر حظاً أن امتلأت أرواحنا بالقناعة والرضا. يصل الإنسان خلال سنوات عمره المثقلة بالهموم والصعوبات وتراكم الأزمات إلى مرحلة العزلة، وهي منزلة استثنائية يزعم فيها الإنسان تمرسه على ملاقاة المشكلات الصعاب مهما بلغت قسوتها، متكئاً على حنكته في مواجهة ظروف الحياة الشائكة، ويرى أن بأسه هذا سوف يمكنه من الاستقلالية والاكتفاء الذاتي مدى الحياة، وبالتالي لم يعد بالضرورة في حاجة للدروس والمواعظ التي تزودنا بها الحياة يوماً بعد يوم بلا حدود وبلا مقابل، وفي غمرة تلك النشوة، وعند أقرب وأول مسار وعر أو مفرق طريق شاق تزول مؤشرات الزهو بالنفس تلك؛ ليكتشف هذا الإنسان فجأة أنه لايزال يفتقر إلى الكثير من المهارات الحياتية والدروس اليومية التي نكتسبها من تحديات تتابع السنين. وكل عام وأنتم إلى الله أقرب.

فاصلة..

على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب.