لم تعد المهرجانات والملتقيات والفعاليات بمختلف ألوانها ومجالاتها ومستوياتها، مجرد تظاهرات ثقافية وفكرية واجتماعية واقتصادية وتراثية ورياضية وغيرها، ولكنها أصبحت «منظومة صناعية كبرى» لها أدواتها وآلياتها ومقوماتها، بل تحوّلت إلى رافعة اقتصادية مهمة تُقاس بها قوة ومكانة وتأثير الأمم والشعوب والمجتمعات.

لا أعرف ما هو تأثير هذه «المعلومة الصادمة» على كل من يقرأ هذا المقال والتي سمعتها لأول مرة، أثناء حضوري لأحد الملتقيات المهمة للبرنامج الوطني للمعارض والمؤتمرات الذي يقوده شاب سعودي يستحق الإعجاب وهو طارق العيسى، وهي - أي المعلومة - أن صناعة المؤتمرات والمعارض في أميركا أقوى وأثرى من صناعة السيارات الأميركية التي تُعتبر فخر الصناعة الأميركية!!.

ويبدو أن ما سبق مقدمة جيدة للكتابة عن التجربة القصيمية الرائدة في صناعة المهرجانات والملتقيات والفعاليات، إذ لا يوجد مدينة أو محافظة على امتداد هذه المنطقة التي تبلغ مساحتها 73 ألف كيلو متر مربع، إلا وتغصّ بالمهرجانات والمعارض التي تنشر البهجة والسعادة على سكان وزوار القصيم، ولكنها قبل كل ذلك، تُسهم في دفع عجلة التنمية والتطور والازدهار في القصيم، بل في كل الوطن. معلومة سعودية هذه المرة: حجم مبيعات مهرجانات التمور في القصيم لهذا العام تجاوز الملياري ريال.

ولكن، لماذا نجحت التجربة القصيمية في صناعة المهرجانات والمعارض والفعاليات بهذا الشكل الرائع؟ الإجابة على هذا السؤال الكبير تحتاج لدراسات وأبحاث مستفيضة، تاريخية واجتماعية واقتصادية، ولكنني سأختصرها في خمس نقاط سريعة ومباشرة:

الأولى، وهي وجود «الداعم الأول» لكل فعاليات منطقة القصيم بلا استثناء، الأمير الدكتور فيصل بن مشعل أمير منطقة القصيم يقف على مسافة واحدة من كل ما يخدم القصيم، ويُشارك بالرأي والمال والجهد والوقت لإنجاح كل الأفكار والمبادرات، ويجتهد لإزالة كل الصعوبات والمعوقات، وذلك لجعل هذه التجربة القصيمية الملهمة «مثالاً وطنياً» يُحتذى به.

الثانية، وهي طبيعة المجتمع القصيمي الذي ورث ثقافة التنافس والتحدي والمغامرة والحركة والنشاط والسفر والترحال من أجداده العقيلات، لذا فالقصيمي بفطرته يعشق الإنجاز والإبداع، فتحوّلت القصيم لساحة/ فضاء للتفوق والتميز.

الثالثة، وهي ثقافة «الشراكة المجتمعية» التي تتجلى أروع صورها في مجتمع القصيم الذي يتنافس أفراده وتجاره ونخبه في خدمة المجتمع القصيمي، والأمثلة على ذلك لا يمكن حصرها.

الرابعة، وهي حب الإنسان القصيمي للعمل الحر في مختلف المجالات والقطاعات، مع غياب تام لـ»ثقافة العيب» في ممارسة العمل في المجتمع القصيمي.

الخامسة، وهي الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني في القصيم بقيادة الإنسان الملهم إبراهيم المشيقح. لقد استطاعت «سياحة القصيم» أن تكون جسر عبور سريع لنجاح كل المبادرات والمهرجانات والفعاليات في كل محافظات القصيم الـ13.