لمَ نترك الشيطان يتلاعب بنا وبمشاعرنا، فيجعلها مجرد علبة للحلوى، أو للشوكولاتة، أو زهور سرعان ما تذبل، كما ذبلت منا الأحاسيس، وجفت منابع المحبة في عادات وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان!؟..

كلما ابتعد الناس عن هدي الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله، نالهم من العنت والضنك بقدر ابتعادهم، وكلما آثروا الدنيا وكرهوا الإنفاق في سبيل الله، فلم يؤتوا ذوي القربى والمساكين، وابن السبيل، فتح الله عليهم من أبواب الإنفاق فيما لا ينفعهم ما لا يحصون.

ومن هذه الأبواب المرهقة ما تعارف المجتمع عليه في هذا الزمان، حيث أوجب ما لم يوجبه الله ورسوله على الناس، فشق عليهم، وأثقل كاهلهم، بل أوقعهم في ارتكاب ما حرم الله، ونهى عنه، وحذر منه.

لقد صارت الكلفة عنواناً لهذا الزمان، وفُتحت أبوابٌ من الصرف المالي الذي قطعت بسببه أوصال المودة والقربى، وتباعدت به الأجساد فلم تتزاور، وتناءت به الأرواح فإذا هي تتنافر.

إذ لا يستطيع المرء - والنساء خاصة - من زيارة قريب، أو عيادة مريض، أو صلة رحم، إلا وقد حملت يداه ما خف وزنه وغلا ثمنه، فلا يكتفي بالزيارة خالي الوفاض، بيد فارغة من الهدية، كما يزعمون، تؤخذ بسيف الحياء، والخوف من النقد، و «الشرهة» والعيب، وكلام الناس!

هذه العادات المستحدثة والتقاليد المبتكرة باعدت بين القلوب، وأشعلت نار التفاخر والتكاثر، وحرمت الناس من التواصل، والاجتماع والاستئناس، وأصبح الزائر محرجاً والمزور عاتباً، إذ جاءه الزائر خالي الوفاض، لم يحمل إكليلاً من الورد، أو علبة من الحلوى، أو شيئاً من النقود، فكثرت الأعذار، وحرم المسلم من أجر عيادة المريض، التي قال عنها صلى الله عليه وآله: من عاد مريضًا، لم يزلْ في خُرفَةِ الجنَّةِ. قيل: يا رسولَ اللهِ! وما خُرفَةُ الجنَّةِ؟ قال: جناها. رواه مسلم.

وفي الحديث: أنَّ رجلًا زارَ أخًا لَهُ في قريةٍ أخرى، فأرصدَ اللَّهُ لَهُ، على مَدرجَتِهِ، ملَكًا فلمَّا أتى عليهِ، قالَ: أينَ تريدُ؟ قالَ: أريدُ أخًا لي في هذِهِ القريةِ، قالَ: هل لَكَ عليهِ من نعمةٍ تربُّها؟ قالَ: لا، غيرَ أنِّي أحببتُهُ في اللَّهِ عزَّ وجلَّ، قالَ: فإنِّي رسولُ اللَّهِ إليكَ، بأنَّ اللَّهَ قد أحبَّكَ كما أحببتَهُ فيهِ. رواه مسلم.

فضاعت هذه الأجور واستبدلت بالقطيعة، والعزلة، وكراهة الزيارة والزائرين، لما كان من أثر هذه المجاملات المرهقة من تأثير، فإن ظروف الناس ليست سواء، والتزاماتهم المادية كثيرة.

وليس هذا فحسب، بل يضاف إليها ما يسمى بالعانية عند الزواج، التي وإن كان لها أثر للزوج فإن ثقلها على الضيف كبير، خاصة إذا كان الأصحاب كثيرين، والأحباب أكثر، والأرحام، والأقارب، وأبناء القبيلة، وهلم جرا. وكل من استلم عانية من أحد توجّب عليه ردُّها أو أكثر منها في أقرب مناسبة لهذا المبتدئ بالدفع.

وقد هالني عظم معاناة الناس من هذه العادات، ولم أكن أتوقع ردة الفعل على ما نشرته في إحدى مواقع التواصل، وبثّ لي بعضهم معاناتهم منها، بل لا أظنكم تصدقون كم من البيوت هدمت، وامرأة طلقت، وأسر تفككت، لهذه الأسباب التافهة، إذ يعتبرها البعض عنوان التقدير والاحترام، حتى إن أحدهم ذكر لي أنه لم يعد يستطيع زيارة والديه إلا بين فترة وأخرى بعيدة عنها، لما يجب عليه حين زيارتهما من مستلزمات، وهدايا!

أفلا يتبين بكل وضوح وجلاء أن إبليس قد نال منا مراده، فقطع الأرحام، وأكثر الغيبة، وأشعل نار التكاثر والتفاخر، بنوع الهدية، وتغليفها، وقيمتها، حتى لم يعد للأجر في أذهاننا، ولا هو من نياتنا، بل أن يكون هو القصد والغاية، فصارت الزيارة متكلفة، ومن لم يستطع أن يحمل هدية، امتنع منها، وحفظ المريض أو القريب الذي له المناسبة هذه الزلة، من عدم الحضور، أو الزيارة، فإذا صارت للممتنع الأول مناسبة عاقبه ذلك بالمثل وردد العبارة المشهورة: يوم مرضت ما زارني! يوم أعرس ما حضر عرسي. وهكذا، وهو لا يدري أن المانع له ضيق ذات اليد، وخشيته من النقد والعيب.

فلمَ نترك الشيطان يتلاعب بنا وبمشاعرنا، فيجعلها مجرد علبة للحلوى، أو للشوكولاتة، أو زهور سرعان ما تذبل، كما ذبلت منا الأحاسيس، وجفت منابع المحبة في عادات وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان!؟

الهدية تؤنس قلب المهدى إليه، وتشعره بمحبة المهدي له، والحديث المشهور: تهادوا تحابوا. لا يصح، ومعناه صحيح، ولكن الهدية ينبغي أن لا تكون بالقوة والضغط، والطلب، والترقب لها، والحاصل اليوم أن الزائر مجبر عليها، والمزور مترقب لها منتقد من لم يأت بها، وستلوكه الألسنة بالغيبة، والتجريح، والرمي بالخل، أو بعدم الفهم، كما يقولون بالعامية: ما عنده سنع. لأنه جاء محباً زائراً راغباً في الرؤية والحديث والاستئناس، لكنه لم يقرب قرباناً، فلم تعد هدية إلا بمسماها، وأما حقيقتها فهي أكل للمال بسيف الحياء والعيب. فلا يحلُّ لامرئ من أخيهِ إلا ما أعطاهُ عن طيبِ نفسٍ منه. هذا، والله من وراء القصد.